قال الإمام الرازي: يقال: ما حكمة الالتفات في قوله: فَأَنْبَتْنا ... والجواب: أنه لا شبهة في أن خالق السماوات والأرض، ومنزل الماء من السماء، ليس إلا الله - تعالى - .
ولكن ربما عرضت الشبهة في أن منبت الشجرة هو الإنسان، فإن الإنسان قد يقول: أنا الذي ألقى البذر في الأرض، وأسقيها الماء .. وفاعل السبب، فاعل للمسبب، فأنا المنبت للشجرة ..
فلما كان هذا الاحتمال قائما. لا جرم أزال - سبحانه - هذا الاحتمال. لأن الإنسان قد يأتى بالبذر والسقي .. ولا يأتى الزرع على وفق مراده .. فلهذه النكتة جاء الالتفات .. .
وقوله - تعالى -: أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ أي: أإله آخر كائن مع الله - تعالى - هو الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء .. كلا، لا شربك مع الله - تعالى - في خلقه وقدرته، وإيجاده لهذه الكائنات بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ.
أي: بل إن هؤلاء المشركين قوم يعدلون عمدا عن الحق الواضح وهو التوحيد، إلى الباطل البين وهو الشرك.
فقوله: يَعْدِلُونَ مأخوذ من العدول بمعنى الانحراف عن الحق إلى الباطل. أو من العدل والمساواة، فيكون المعنى: بل هم قوم - لجهلهم - يساوون بالله - تعالى - غيره من آلهتهم.
والجملة الكريمة: انتقال من تبكيتهم بطريق الخطاب، إلى توبيخهم، وتجهيلهم، وبيان سوء تفكيرهم، وانطماس بصائرهم.
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى لفت أنظارهم إلى حقائق كونية أخرى يشاهدونها بأعينهم، ويحسونها بحواسهم. فقال - تعالى -: أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً والقرار: المكان الذي يستقر فيه الإنسان، ويصلح لبناء حياته عليه.
أي: بل قولوا لنا - أيها المشركون: من الذي جعل هذه الأرض التي تعيشون عليها، مكانا صالحا لاستقراركم، ولحرثكم، ولتبادل المنافع فيما بينكم، ومن الذي دحاها وسواها وجعلها بهذه الطريقة البديعة.
ومن الذي جَعَلَ خِلالَها أي: جعل فيما بينها أَنْهاراً تجرى بين أجزائها، لتنتفعوا بمياه هذه الأنهار في شربكم، وفي غير ذلك من شئون حياتكم. ومن الذي جَعَلَ لَها رَواسِيَ أي: جعل لصلاح حالها جبالا ثوابت، تحفظها من أن تضطرب بكم.