وقال ابن الخطيب: قال أصحابنا: الخلد هو الثبات الطويل سواء أدام أم لم يدم. واستدلوا بقوله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً} ، ولو كان التأبيد داخلاً في مفهوم الخلد لكان ذلك تكراراً.
وقال بعضهم: حقيقة الخلود الدوام من وقت الابتداء. ولهذا لا يجوز أن يقال لله تعالى أنه خالد، لنه قديم أزلي لا ابتداء له، والبقاءُ الأبدي في الجنة لأهلها هو قول جميع أهل الإسلام، فقد دلت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على خلود أهل الجنة فيها أبداً، وعلى ذلك إجماع أهل السنة والجماعة.
وأجمعوا على أن عذاب الكفار لا ينقطع كما أن نعيم أهل الجنة لا ينقطع، يدل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع الأمة خلافاً للجهمية حيث ذهبوا إلى أن الجنة والنار تفنيان ويفنى أهلهما، وخلافاً لأبي الهذيل المعتزلي وموافقيه حيث قالوا: ينقطع عذاب الكفار، وله غاية ونهاية، واحتجوا على ذلك بالمنقول والمعقول:
فاحتجوا من القرآن بآيات:
الأولى: قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ، خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ} ، فدل هذا النص على انقطاع عذابهم، لأن مدة السموات والأرض متناهية، فلزم أن تكون مدة العقاب منقطعة.
الثانية: قوله تعالى: {إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ} استثناء من مدة عذابهم، وذلك يدل على الزوال.
الثالثة: قوله تعالى: {لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً} فبين تعالى أن لبثهم في العذاب لا يكون إلا أحقاباً معدودة.
وأما المعقول فوجهان:
أحدهما: أن معصية الكافر متناهية ومقابلة الجرم المتناهي بعقاب ما لا نهاية له ظلم وهو على الله تعالى محال.
ثانيهما: أن العقاب ضرر خال من النفع فيكون قبيحاً، لأن ذلك النفع لا يرجع إلى الله تعالى لتعاليه عن النفع والضر، ولا إلى العبد لأنه ضرر محض، ولا إلى أهل الجنة لأنهم مشغولون بلذاتهم، فلا فائدة لهم في الالتذاذ بعقاب دائم في حق غيرهم، بل القلوب الرحيمة تتألم بذلك غاية التألم كما هو مشاهد.
وقد بينت شبههم والرد عليهم في مؤلف لطيف وسميته توقيف الفريقين على خلود أهل الدارين.
وأيضاً: فلأن أهل الجنة لو علموا بالزوال لكانوا في أشد عقوبة، وأهل النار لو علموا بالفناء لكانوا في أشد راحة، فيصير الثواب عقاباً، والعقاب ثواباً. والله سبحانه وتعالى أعلم.