قال تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا) انتقل السياق القرآني من الغيبة إلى المتكلم؛ لبيان إرادة اللَّه الواضحة، وأنه هو الفاعل المختار، ولتربية المهابة في النفوس بخطابه بذاته العلية خطابا واضحا معلما، والعطف بـ (ثُمَّ) للإشارة إلى التفاوت بين الظل والشمس الساطعة، وكانت الشمس دليلا على الظل، لأن إشراقها نهايته؛ ولأن ضوء الشمس يدخل في ظلام الليل شيئا فشيئا من انبثاق الفجر، فهو الدليل الواضح للظل، حتى يكون الصباح.
وإنه بعد الإشراق يأخذ الظل في الانقباض حتى يكون الظلام الحالك، ولذا قال تعالى:
(ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا(46)
وإنه بعد إشراق الشمس يكون الظل والحرور، ويستمر طول النهار مصطحبا مع الشمس المشرقة والنور حتى يكون في الغروب وتختفي الظلال والأضواء ويكون الظلام الدامس، والليل الذي تستكن فيه
النفوس، وترخى أستار الظلام، وهذا قوله: (ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا) أي نسخناه وأزلناه، وشبه زوال الظل بجوار الضياء بشيء يقبض، وأضيف القبض إليه سبحانه لأنه يكون بإرادته، وبالنظام الثابت الذي وضعه اللَّه تعالى للكون، فجعل سبحانه الأرض تدور حول الشمس، وبهذا الدوران يكون الليل والنهار، و (ثم) هنا في موضعها؛ لأن القبض مستمر طول النهار، ويتم في آخره، فالتعبير بـ (ثم) في موضعه.
والقبض اليسير هو القبض المتدرج آنًا بعد آنٍ، وساعة بعد ساعة، فالقبض للظل مستمر من شروق الشمس إلى غروبها، وهو يتناقص شيئا فشيئا حتى ينتهي النهار.
وإن هذا النص يثبت أن الأرض كروية، ويومئ إلى دوران الأرض حول الشمس.
ولقد صرح سبحانه بأنه خالق الليل والنهار بعد أن أشار إلى بعض الأسباب.
(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا(47)