القول الثاني: أن هذا عام في جميع الخلق. رُوي ذلك عن أبي الدرداء، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"ويل للعالم من الجاهل، وويل للجاهل من العالم، وويل للسلطان من الرعية، وويل للرعية من السلطان، وويل للمالك من المملوك، وويل للمملوك من المالك، وويل للشديد من الضعيف، وويل للضعيف من الشديد. بعضهم لبعض فتنة". فهو قول الله - عز وجل -: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً} .
القول الثالث: أن هذا في أصحاب البلاء والمعافين. يقول الفقير: لِمَ لَمْ أجعل بمنزلة الغني. ويقول ذو البلاء؛ كالأعمى، والزَّمِن: لِمَ لَمْ أجعل بمنزلة المعافى وذكر مقاتل: أن هذا قول في ابتلاء فقراء المؤمنين،
نحو: بلال، وخباب، وأبي ذر، وابن مسعود، وصهيب، وعمار، بالمستهزئين من قريش كانوا يقولون: انظروا إلى هؤلاء الذين تبعوا محمدًا من موالينا، [وأعواننا رذلة] كل قوم، فقال الله لهؤلاء الفقراء: {أَتَصْبِرُونَ} على الأذى والإستهزاء {وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} إن صبرتم. فصبروا، ولم يجزعوا. فأنزل الله فيهم: {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا} [المؤمنون: 111] أي: في الدنيا على الأذى والإستهزاء من كفار قريش.
وقال الفراء، على قول الكلبي {أَتَصْبِرُونَ} يقول: هو هذا الذي ترون. فمعناه: هو هذا السبق على قدر الدرجات. وقال أبو إسحاق: أي: أتصبرون على البلاء فقد عرفتم ما وُعِد الصابرون.
وقال صاحب النظم: ليس لقوله: {أَتَصْبِرُونَ} في الظاهر انتظام ما اتصل به من اللفظ؛ لأن فيه إضمارًا كأنه يقول: لنعلم أتصبرون أم لا. فأومأ بقوله: {أَتَصْبِرُونَ} إلى هذا الإضمار لأنه يقتضيه.