وقال صاحب النظم: العلة في سقوط هذه القراءة: أن {مِّن} لا تحدث إلا على مفعول، لا مفعول دونه، فإذا كان قبل المفعول مفعول سواه لم يحسن دخول: من، مثل قوله - عز وجل -: {مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ} [مريم: 35] فقوله: {مِنْ وَلَدٍ} لا مفعول دونه سواه ولو قال: ما كان لله أن يتخذ أحدًا من ولد، لم يحسن فيه دخول: (مِن) ؛ لأن الاتخاذ مشغول بـ: أحد. كذلك قوله: {مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ} قد قامت النون المضمومة مقام مفعول، وشغل الاتخاذ به فلم تعمل: (مِن) في المفعول الذي بعده؛ لأن تأويله يكون مثل قولك: ما كان لزيد أن يتخذ من ولي. هذا كلامه. ومن أجاز هذه القراءة يجعل (مِن) صلة.
قال الفراء: العرب تدخل (مِنْ) في الأسماء لا في الأخبار. ألا ترى أنهم يقولون: ما أخذت من شيء، وما عندي من شيء، ولا يقولون: ما رأيت عبد الله من رجل. فلو لم يكن في الأولياء: {مِنْ} لكان وجهًا جيدًا، وهو على قلة من قرأ به، قد يجوز أن يجعل الاسم في {مِنْ أَوْلِيَاءَ} ويجعل الخبر ما في {نَتَّخِذَ} على القلب.
ثم ذكر المعبودون سبب ترك العابدين للإيمان بالله بقوله: {وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ} قال ابن عباس: أطلت لهم العمر فأفضلت عليهم ووسعت لهم في الرزق. وقال الفراء: ولكنك يا رب متعتهم بالأموال والأولاد.
{حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ} قال ابن عباس: يريد تركوا الموعظة. وقال مقاتل: تركوا إيمانًا بالقرآن.
{وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا} قال مجاهد، والكلبي ومقاتل، والمفسرون: فاسدين هالكين قد غلب عليهم الشقاء والخذلان. وقال الزجاج: البائر في اللغة: الفاسد الذي لا خير فيه. وقال الفراء: البور مصدر يكون واحدًا وجمعًا. وقال أبو عبيدة: رجل بور، ورجلان بور، وقوم بور، وكذلك الأنثى، ومعناه: هالك، وقد يقال: رجل بائر، وقوم بور. وأنشد: