وحين يُضخِّم الحق سبحانه وتعالى العقوبة: {وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً} [الفرقان: 19] إنما ليُنفِّر عباده منها ، ويبتعد بهم عن أسبابها ، فلا تقع .
وكثيراً ما يعترض أعداء الإسلام على قوله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين} [البقرة: 256] يقولون: فلماذا تقتلون مَنْ يرتدّ عن الإسلام؟ وهؤلاء لا يَدْرُون أن هذا الحكم نضعه عقبةً في طريق كل مَنْ يريد الإيمان ، وتنبيه له حتى يفكر جيداً فيما هو مُقبل عليه إن اختار الإسلام ، فلا يدخله إلا بعد رضاً واقتناع تام ، وحين يعلم هذا الحكم يحتاطُ للأمر فيدخل عليه بمَحْضِ اختياره وتعقّله .
فالإسلام لا يريد كثرة مُتسرِّعة ، إنما يريد تروياً وتعقّلاً وتدبراً ، وهذا يُحسب للإسلام لا عليه ، فهو سلعة غالية يثق صاحبها في جَوْدتها ، كما تذهب إلى تاجر القماش مثلاً ، فيعرض عليك بضاعته ويُظهِر لك جودتها ويختبرها أمامك ، لماذا؟ لأنه واثق من جودة بضاعته .
ومن ذلك ما خُتِمَتْ به كثير من آيات الذكر الحكيم مثل: تفكِّرون ، تعقلون ، تذكِّرون . وهذا دليل على أنك لو تعقلتَ ، لو تدبرتَ ، لو تذكرتَ لاهتديت إلى ما جاء به القرآن .
إذن: فقوله تعالى: {وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً} [الفرقان: 19] كان الذي يؤخذ على القرآن ، أو على الحق سبحانه أن الظالم حين يظلم هو يُعاقِب لنفسه حيث أُخِذ منه شيء ، لكن الحق سبحانه ما أُخذ منه شيء ، إنما هو سبحانه بصفات الكمال فيه سبحانه خلقكم ، فما ظلمتم إلا أنفسكم .
ثم يقول الحق سبحانه عن رسله وأنبيائه: {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المرسلين}