وهناك أمور أخرى جعلها الله بالاختيار ، فالذين سبقتْ لهم من الله الحسنى ، وأُلْهموا التوفيق يتنازلون عن اختيارهم لاختيار ربهم ومراده ، فيكونون عبيداً لله في كل الأمور القهريات وغير القهريات ، وهؤلاء هم الذين يستحقون أن يكونوا عباداً لله .
فالعباد إذن يشتركون مع العبيد في القهريات ، ويتميزون عنهم بتنازلهم عن مرادهم لمراد ربهم ، وعن اختيارهم لاختياره عَزَّ وجلَّ ؛ لذلك سمّاهم عباداً ، كما جاء في قوله سبحانة:
{وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً} [الفرقان: 63] .
والاستفهام في قوله سبحانه: {أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي} [الفرقان: 17] يقول فيه بعض غير المؤهَّلين للفَهْم عن الله: أما كان يقول: أأضللتم عبادي؟ ونقول لهؤلاء: ليس لديكم الملَكَة اللغوية لفَهْمِ القرآن ، فأنت تستفهم عن الفعل إذا لم يكن موجوداً أمامك ، تقول: أبنيتَ البيت الذي أخبرتني أنك ستبنيه؟ فيخبرك: بنيتُه أو لم أَبْنِه ، أمَّا حين تقول: أبنيتَ هذا البيت؟ فالسؤال ليس عن البناء ، إنما عن فاعله ، أنت أم غيرك؟ لأن البناء قائم أمامك .
إذن: فَرْقٌ بين السؤال عن الحَدث ، والسؤال عن فاعل الحدث ، والضلال هنا موجود فعلاً ، فالسوال عن الفاعل {أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السبيل} [الفرقان: 17] .
وسمَّاهم عباداً هنا مع أنهم ضالون ؛ لأن الكلام في الآخرة ، حيث لم يَعُدْ لأحد اختيار ، الاختيار كان في الدنيا وعليه ميَّزنا بين العبيد والعباد ، أما في الآخرة فالجميع عبيد والجميع عباد ، فقد زال ما يُميِّزهم ؛ لأنهم جمعياً مقهورون لا اختيارَ لأحد منهم .