فالحق سبحانه وتعالى يسأل المعبودين: {أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ} [الفرقان: 17] والله يعلم إنْ كانوا أضلُّوهم أم لا ؛ لذلك أجاب عيسى عليه السلام على مثل هذا السؤال في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ الله يا عيسى ابن مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي} [المائدة: 116] .
وسؤال الله للمعبودين تقريع للعابدين أمام مَنْ عبودهم ، ولو أن عبادتهم بحقٍّ لكان المعبودون دافعوا عن هؤلاء أمام الله ؛ لذلك أجاب عيسى عليه السلام: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعبدوا الله رَبِّي وَرَبَّكُمْ} [المائدة: 117] .
أما الآخرون فقالوا: ما أضللناهم ، بل هم ضَلُّوا السبيل .
وكلمة {عِبَادِي} [الفرقان: 17] سبق أن قلنا إن (عبد) تُجمع على (عباد) و (عبيد) ، وعبد يعني أنه خاضع لأمر السيد ، وليس له تصرُّف من ذاته ، إنْ نظرتَ هذه النظرة فكل خَلْق الله عبيد ؛ لأن هناك أشياء لا يخرجون فيها عن مراد الله تعالى كميلاده على شكل خاص أو مرضه أو وفاته .
لذلك نقول للذين أَلِفُوا مخالفة أوامر الله والتمرد عليه سبحانه: قد تتمردون على الإيمان به فتكفروا ، وقد تتمردون على الإيمان برسوله فتكذِّبوا ، وقد تتمردون على حُكْم من الأحكام فتخالفوه .
إذن: لكم جَرْأة على المخالفة وإلْف للتمرد ، وما دام لك دُرْبة على ذلك ، فعليك أنْ تتمرد أيضاً عند المرض وتقول: لن أمرض وتتمرّد علىلموت فلا تموت ، لكن هيهات ، فهذه مسائل ، الكل فيها عبيد لله مقهورون لإرادته سبحانه ، المؤمن والكافر ، والطائع والعاصي .