لذلك يقول تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله} [الفرقان: 17] يعني: يجمع العابد على الضلال والمعبود على الضلال في مكان واحد معاً ، لماذا؟ لأن العابد إذا وجد نفسه في العذاب ربما انتظر معبوده أنْ ينقذه من العذاب ، لكن ها هو يسبقه إلى النار ويقطع عنه كلَّ أمل في النجاة .
وقول الحق سبحانه وتعالى: {أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السبيل} [الفرقان: 17] .
والخطاب هنا مُوجَّه لمن يعقل منهم ، ولا مانعَ أن يكون للجميع ، فنحن نتحدث عن القانون الذي نعرفه ، وقد بيَّن لنا الحق تبارك وتعالى أن لكل شيء لغةً ، فلماذا نستبعد أن يكون الخطاب هنا للعاقل ولغير العاقل ، بدليل قوله تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44] .
وقد قال سليمان عليه السلام وهو مِمَّن فقه التسبيح: {رَبِّ أوزعني أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} [الأحقاف: 15] لما سمع النملة تُحذِّر قومها: {ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ} [النمل: 18] فتبسَّم سليمان عليه السلام لما سمع من النملة وسمَّاه قَوْلاً ، وفي هذا رَدٌّ على مَنْ يقول: إن التسبيح هنا من النملة تسبيحُ حال ، لا تسبيح مقال .
وهو قوْل مخالف لنصِّ القرآن الذي قال: {ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44] فقد حكم الحق سبحانه بأنك لا تفقه هذا التسبيح ، فإن قُلْتَ: هو تسبيح دلالة فقد فقهته ، وقد حكم سبحانه بعدم فِقْهك له إلا إذا عرّفك الله تعالى ، وأطلعك على لغات هذه المخلوقات .
ولماذا نستبعد هذه المسألة والعلم الحديث يُقرِّر الآن أن لكل أمة من أمم الموجودات لغتها الخاصة ، وألسْنَا نتحدث الآن فيما بيننا بلغة غير منطوقة ، وهي لغة الإشارات التي يتفاهم بها البحارة مثلاً؟