وثانيها: صورة نظمه العجيب ، والأسلوب الغريب المخالف لأساليب كلام العرب ، ومناهج نظمها ونثرها الذي جاء عليه ، وووفقته عند مقاطع آية ، وانتهاء فواصل كلماته ، ولم يوجد قبله ولا بعده نظير له ، ولا استطاع أحد مماثلة منه.
وثالثها: ما انطوى عليه من الأخبار بالمغيبات ، وما لم يكن ولم يقع ، فوجد كما ورد على الوجه الذي أخبر كقوله تعالى: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} [الفتح: 27] ، وكقوله: غُلِبَتِ الرُّومُ ، فِي أَدْنَى
الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ، فِي بِضْعِ سِنِينَ [الروم: 2 - 4] إلى آخر ذلك من الأمور المغيبة التي أخبر القرآن عنها قبل وقوعها ، فوقعت كما أخبر.
ورابعها: ما أخبر به من أخبار القرون والأمم البائدة ، والشرائع الدائرة مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلّا الفذّ من أحبار أهل الكتاب الذي قطع عمره فِي تعلم ذلك ، فيورده النبي - صلى الله عليه وسلم - على وجهه ، ويأتي به على نصه ، فيعترف العالم بذلك بصحته وصدقه ، وأنَّ مثله - عليه الصلاة والسلام - لم ينله بتعليم ، وقد علموا أنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - أمي لا يقرأ ولا اشتغل بمدارسة.
هذا ما ذكره القاضي عياض المتوفَّى سنة 544 هـ فِي وجوه الإعجاز ، ونجد الأمرين الأوَّلين يتعلقان بالناحية البيانية فِي القرآن ، وإن كان أولهما يتعلق بتأليف كلماته وتناسقها ، مع فصاحتها وسلامتها وخلوها من الحوش ، والثاني بصورة النظم ، ومع تخالف حقيقتها نجد منهما ينتهي إلى الناحية البيانية.
أمَّا الأمران الآخران فإنهما يتعلقان بصدق الأخبار التي اشتمل عليها القرآن الكريم ، بيد أنَّ الأول يتعلق بالإخبار عن الغيب فِي المستقبل الذي لا يعلمه إلَّا الله تعالى ، والثاني يتعلق بالإخبار عن الماضي.