فقد وضع أبو عيسى الروماني المتوفَّى فِي سنة 382هـ كتابه فِي الإعجاز ، فوضع بناء ثالثًا ، غير بناء الجاحظ والواسطي ، ثم جاء الباقلاني المتوفَّى سنة 403هـ فوضع كتابه"إعجاز القرآن"، ويلاحظ أنَّ تاريخه سابق على"دلائل الإعجاز"، وأحسب أنَّ من الحق علينا أن نقول: إنَّ"دلائل الإعجاز"لم يبنَ على الوساطي فقط ، بل إنَّه أخذ من كل الينابيع التي سبقته ، وإنَّ القارئ له يجد فيه كل مزايا من سبقه ، وفيه زيادة جديرة بالأخذ ، بل أساس لعلوم البلاغة كلها مستقاة من القرآن ، وموضِّحة لأوجه البلاغة فيه أولًا ، وعلوِّه على كل كلام ثانيًا ، ثم فيه وضع مقاييس ضابطة لكل كلام بليغ ثالثًا.
فكتاب الباقلاني قد تعرَّض للإعجاز بالمواجهة ابتداءً ، ولم يسبق علم البلاغة ابتداء ، ثم يتعرَّض للإعجاز انتهاءً ، ولكنَّه جعل الأصل فِي الكلام الإعجاز ، ثم البلاغة تابعة له تبعية الدليل للمدلول ، والبرهان للدعوى ، والمقدمة للنتيجة.
ويلاحظ على هذا الكتاب أنَّه لم يشر إلى ما سبقه إلّا الجاحظ ، فقد أشار إليه إشارة لا تكريم فيها ، ولكن فيها استهجان واستصغار لما كتبه ، ولم يشر أي إشارة إلى ما كتبه الواسطي ، وما كتبه الرماني ، وقد سبقاه ، وكان ثانيهما على مقربة من زمانه ، مع أنه أخذ من الرماني قطعًا ولم يذكر اسمه.
ومهما يكن الأمر بالنسبة لمن سبقوه فِي القول ، وإهمال ذكرهم ، فهو الكتاب الذي اختصَّ بأن يكون فِي الإعجاز ابتداءً كما أشرنا ، وقد وفَّى فيه بأمهات المسائل.
ويقول فيه الرافعي المتوفَّى سنة 1937م فِي كتابه إعجاز القرآن:"على أن كتاب الباقلاني ، وإن كان فيه الجيد الكثير ، وكان الرجل قد هذَّبه وصفاه ، وتصنَّع له ، إلّا أنه"