37 -ومهما يكن من بطلان هذه الفكرة ، فقد أدَّت إلى إنشاء علوم البلاغة فِي ظل القرآن ، فاتَّجَه الكاتبون إلى بيان أسرار البلاغة فِي هذا الكتاب المبين ، المنزَّل من عند الله الحكيم ، قرآنًا عربيًّا ، فكان هذا الباطل سببًا فِي خير كثير ، وكما يقول المثل السائر"ربَّ ضارة نافعة"، فقد تولَّد عن هذا الباطل دفاع حكيم ، ولدت منه علوم البلاغة العربية ، وكما تولَّد عن الخطأ فِي تلاوة آية"علم النحو"تولدت علوم البلاغة العربية. وإن أكثر ما كتب الأولون فِي البلاغة والفصاحة كان فِي ظل القرآن ، ومحاولة لبيان إعجازه.
وإنَّ أول ما كتب فِي إعجاز القرآن من ناحية البيان كان فِي الوقت الذي جاء فيه القول بالصرفة ، بين نفي وإثبات كما أشرنا ، وأول من عرف أنه تصدى للكلام فِي الإعجاز فِي نظم القرآن هو الجاحظ تلميذ النظَّام ، الذي أنكر عليه قوله ، وعابه فِي منهاجه الفكري من أنَّه يظن الظن ، ثم يجعله أصلًا يجري عليه القياس مصححًا لقياسه.
بالمنطق ، والعيب فِي أصل القول الذي بنى عليه ، لا فِي الأقيسة التي أجرى بها مشابهاته ، وقد أشرنا إلى ذلك من قبل.