والمعنى: أي أظننتم أيها الأشقياء أنا إنما خلقناكم إذ خلقناكم لعبًا وباطلًا، كلا، بل خلقناكم لنهذبكم ونعلمكم، لترتقوا إلى عالم أرقى مما أنتم فيه، لا كما ظننتم أنكم لا ترجعون إلينا للحساب والجزاء. وفي هذا إشارة إلى أن الحكمة تقتضي تكليفم وبعثهم لمجازاتهم على ما قدموا من عمل، وأسلفوا من سعي في الحياة الدنيا.
حكاية
وعن بهلول قال: كنت يومًا في بعض شوارع البصرة، فإذا بصبيان يلعبون بالجوز واللوز، وإذا أنا بصبي ينظر إليهم ويبكي، فقلت: هذا صبي يتحسر على ما في أيدي الصبيان، ولا شيء معه فيلعب به، فقلت: أي بني ما يبكيك، أشتري لك من الجوز واللوز ما تلعب به مع الصبيان؛ فرفع بصره إليّ، وقال: يا قليل العقل، ما للعب خلقنا؟ فقلت: أي بني لماذا خلقنا؟ فقال: للعلم والعبادة، ققلت: من أين لك ذلك، بارك الله فيك، قال: من قول الله تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) } قلت: أي بني أراك حكيمًا فعظني وأوجز، فأنشا يقول:
أَرَى الدُّنْيَا تُجَهِّزُ بِانْطِلاَقِ ... مُشَمِّرَةً عَلَى قَدَمٍ وَسَاقِ
فَلاَ الدُّنْيَا بِبَاقِيَةٍ لِحَيِّ ... وَلاَ حَييٌّ عَلَى الدُّنْيَا بِبَاقِ
كَأَنَّ الْمَوْتَ وَالْحَدَثَانِ فِيْهَا ... إلى نَفْسِ الْفَتَى فَرَسَا سِبَاقِ
فَيَا مَغْرُوْرُ بِالدُّنْيَا رُويدًا ... وَمِنْهَا خُذْ لِنَفْسِكَ بِالْوِثَاقِ
ثم رمق السماء بعينيه، وأشار إليها بكفيه، ودموعه تتحدر على خديه، وهو يقول:
يَا مَنْ إِلَيْهِ الْمُبْتَهَلْ ... يَا مَنْ عَلَيْهِ الْمُتَّكَلْ
يَا مَنْ إِذَا مَا آمِلٌ ... يَرْجُوْهُ لَمْ يُخْطِ الأَمَلْ