قال بعضهم: لا تركنن إلى الدنيا فإنها لا تبقى على أحد، ولا تتركها فإن الآخرة لا تنال إلا بها. وقال الزمخشري: استغنم تنفس الأجل وإمكان العمل، واقطع ذكر المعاذير والعلل، فإنك في أجل محدود، وعمر غير ممدود. وقال بعضهم: لو علمت أن ما فات من عمرك لا عوض له .. لم يصح منك غفلة ولا إهمال. ولكنت تأخذ بالعزم والحزم، بحيث تبادر الأوقات وتراقب الحالات خوف الفوات عاملًا على قول القائل:
السِّبَاقَ السِّبَاقَ قَوْلًا وَفِعْلًا ... حَذِّرِ النَّفْسَ حَسْرَةَ الْمَسْبُوْقِ
وما حصل من عمرك، إذا علمت أن لا قيمة له كنت تستغرق أوقاتك في شكر الحاصل وتحصيل الواصل. قال عليّ - رضي الله عنه -: بقية عمر المرء ما لها ثمن، يدرك به منها ما فات، ويحيي ما مات. وقد جاء في الخبر:"نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ"، ومعناه: أن الصحيح ينبغي أن يكون مشغولًا بدين أو دنيا، فهو مغبون فيهما.
115 -ثم زاد في توبيخهم على تماديهم في الغفلة، وتركهم النظر الصحيح، فيما يرشد إلى حقية البعث والقيامة، فقال: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا} الهمزة: فيه للاستفهام الإنكاري، المضمن للتوبيخ، داخله على محذوف، و {الفاء} : عاطفة على ذلك المحذوف. والحِسبان بالكسر الظن. وعبثًا حال من نون العظمة، بمعنى عابثين، وهو ما ليس لفاعله غرض صحيح، أو ارتكاب أمر غير معلوم الفائدة. والتقدير: أغفلتم وظننتم من فرط غفلتكم، أنا خلقناكم بغير حكمة، ولا ثواب ولا عقاب. {وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} عطف على إنما خلقناكم؛ أي: وحسبتم عدم رجوعكم إلينا، يعني: أن الحكمة من خلقكم الأمر بالعمل، ثم البعث للجزاء. ومعنى الرجوع إلى الله إلى حيث لا مالك ولا حاكم سواه.
قال الترمذي: إن الله خلق الخلق ليعبدوه، فيثيبهم على العبادة، ويعاقبهم على تركها. فإن عبدوه .. فإنهم عبيد أحرار، كرام عن رق الدنيا، ملوك في دار السلام. وإن رفضوا العبودية .. فهم اليوم عبيد أُبَّاق، سقاط لئام، وغدًا أعداء في السجون، بين أطباق النيران.