ومعنى الآية: فإِذا نفخ في صُوَر الخلائق، بأن ألحقت كل روح بجسدها عند قيام الساعة، فبعث الخلائق وحشروا من قبورهم إلى ساحة القضاء الإِلهى، ليقضى لهم أَو عليهم تبعًا لعقائدهم وأَعمالهم، فلا تنفعهم قراباتهم حينئذ كما كانت تنفعهم في دنياهم، ففي ذلك اليوم: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ. وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ. وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ. لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} .
وحكى عن الجُبَّائي: أن المراد من الآية أنه لا يفتخر يومئذ بالأنساب كما يفتخر بها في الدنيا، وإنما يفتخر هناك بالأَعمال والنجاة من الأهوال، وكما أنهم لا تنفعهم أنسابهم ولا يفتخرون بها، فكذلك هم لا يتساءَلون عن أَحوالهم، فلا ترى أَحدًا منهم يهتم بغيره فيسأَله عن حاله، لأَن حال كل منهم واضح لغيره، ولأَن الخطب جسيم يشغل كل امرئ عن سواه، وقد صور الله هول ذلك اليوم أَوضح تصوير بقوله في صدر سورة الحج: {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ (2) } .
فإِن قيل: إنه جاءَ في القرآن أن الكفار يتساءَلون يوم القيامة، كما جاءَ عنهم في سورة الصافات في قوله سبحانه وتعالى: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ. مِنْ دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ. وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ. مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ. بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ. وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} والجواب: أَنهم لا يتساءَلون في بعض المواطن، ويتساءَلون في بعض آخر ولعله عند جهنم، وقد يقال: إِن المنفى هنا هو سؤال التعارف ونحوه، مما عليه دفع مضرة أَو جلب منفعة، أَما المثبت فهو تساؤلهم