{إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين. وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين. قل: إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون؟ فإن تولوا فقل: آذنتكم على سوآء ، وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون. إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون. وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين.. قال: رب احكم بالحق ، وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون} ..
{إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين} .. إن في هذا القرآن وما يكشفه من سنن في الكون والحياة. ومن مصائر الناس في الدنيا والآخرة. ومن قواعد العمل والجزاء.. إن في هذا لبلاغاً وكفاية للمستعدين لاستقبال هدى الله. ويسميهم {عابدين} لأن العابد خاشع القلب طائع متهيئ للتلقي والتدبر والانتفاع.
ولقد أرسل الله رسوله رحمة للناس كافة ليأخذ بأيديهم إلى الهدى ، وما يهتدي إلا أولئك المتهيئون المستعدون. وإن كانت الرحمة تتحقق للمؤمنين ولغير المؤمنين..
إن المنهج الذي جاء مع محمد صلى الله عليه وسلم منهج يسعد البشرية كلها ويقودها إلى الكمال المقدر لها في هذه الحياة.
ولقد جاءت هذه الرسالة للبشرية حينما بلغت سن الرشد العقلي: جاءت كتاباً مفتوحاً للعقول في مقبل الأجيال ، شاملاً لأصول الحياة البشرية التي لا تتبدل ، مستعداً لتلبية الحاجات المتجددة التي يعلمها خالق البشر ، وهو أعلم بمن خلق ، وهو اللطيف الخبير.
ولقد وضع هذا الكتاب أصول المنهج الدائم لحياة إنسانية متجددة. وترك للبشرية أن تستنبط الأحكام الجزئية التي تحتاج إليها ارتباطات حياتها النامية المتجددة ، واستنباط وسائل تنفيذها كذلك بحسب ظروف الحياة وملابساتها ، دون اصطدام بأصول المنهج الدائم.
وكفل للعقل البشري حرية العمل ، بكفالة حقه في التفكير ، وبكفالة مجتمع يسمح لهذا العقل بالتفكير. ثم ترك له الحرية في دائرة الأصول المنهجية التي وضعها لحياة البشر ، كيما تنمو وترقى وتصل إلى الكمال المقدر لحياة الناس في هذه الأرض.