ولنتدبَّر موقفًا آخَر يقصُّه علينا معاوية بن الحكم - رضي الله عنه - فقد دخل المسجد يومًا يصلي مع الصحابة خلف النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فعطس رجلٌ أمامَه، فشمَّته معاوية وهو يصلي، ولما كانت الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس استنكر الصحابة فعله، وهم في صلاتهم، يقول معاوية:"فحدقني القوم بأبصارهم"؛ لاستغرابهم من رجلٍ يتحدث وهو في الصلاة.
لكن الموقف ازداد تعقيدًا حين استنكر معاوية أنظارهم، وجعل يقول لهم وهو في صلاته:"وا ثكل أمياه! ما لكم تنظرون إليَّ؟!"، فزاد استنكار الصحابة لكلامه في الصلاة،"فضرب القوم بأيديهم على أفخاذهم"، وأخيرًا فَهِم معاوية مرادهم:"فلمَّا رأيتهم يسكتونني سكتُّ".
وحين انتهت الصلاة لنا أن نتخيَّل الأنظار وهي تتوجَّه إلى معاوية تلومه، ومثل هذا يتمنَّى - كما يقولون - لو تنشقُّ الأرض وتبتلعه قبل أن تلتهمه العيون بنظراتها العاتبة القاسية، الجميع يرقُب فعل النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - مع هذا الرجل الذي جهل ما يعرفه أطفال المسلمين عن حرمة الصلاة وبطلانها بكلام الناس فيها.
يقول معاوية: فلمَّا انصرف رسول الله دعاني، بأبي هو وأمي، ما ضربني ولا كهرني ولا سبَّني، ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، قال: (( إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن ) ).
4 -رفق النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - بِمَن بال في المسجد:
وبينما النبي جالسٌ ذات يوم بين أصحابه في مسجده، إذ دخل أعرابي فصلى ركعتين ثم قال: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا، فقال رسول الله: (( لقد تحجَّرت واسعًا ) )، ثم ما لبث أن عرضت له حاجته، فتنحَّى وتبوَّل في ناحيةٍ من المسجد، فثار إليه الصحابة ليقعوا به بسبب هذه الفعلة الشنيعة، وهو الذي دعا عليهم قبل قليل بالحرمان من رحمة الله، ثم هو لا يدرك حرمة المساجد! أمَا يدري أن طهارة المكان شرطٌ من شروط صحَّة الصلاة؟ كيف يجعل من ميدان الطُّهْرِ محلاًّ لقضاء حاجته؟!