وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) أرفق الناس بالمتعلمين، وأبعدهم عن التشديد والتعسير، والفظاظة، والغلظة. وهذا ما نوّه به القرآن من أخلاقه (صلى الله عليه وسلم) في قوله تعالى: {فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر} . (33)
وكان الرجل يأتي من البادية، ويخاطبه باسمه مجرّدا، ويناديه من بعد، ويكلّمه بجفوة، وأحيانا يستوقفه في الطريق، فيسع هذا كلّه لحلمه وحسن خلقه، ويجيبه عما يسأل، وأكثر مما سأل، وقد يهم أصحابه به، أو يثورون في وجهه فيهدئ من ثورتهم، ويسكّن من غضبهم.
ولم يكن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يرفق بالمتعلمين فحسب، بل كان يواجه جفاء بعضهم بالإشفاق، وهذا إن دل فإنّما يدل على مدى تأصل الرفق والشفقة والرحمة في ذاته وشخصه. فعن أبي أيوب (رضي الله عنه) : أن أعربيا عرض لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو في سفره، فأخذ بخطام ناقته أو بزمامها ثم قال: (يا رسول الله أو يا محمد، أخبرني بما يقرّبني من الجنّة، ويباعدني عن النار) . قال: فكف النبي (صلى الله عليه وسلم) ثم نظر في أصحابه ثم قال: (كيف قلت؟) فأعادها. فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) : (تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم. دع الناقة) . (34)
ويعد أعظم نموذج للرفق بالمتعلمين إذا أخطئوا رسول (صلى الله عليه وسلم) ، فهو خير من يقدّر الظروف، ويراعي الأحوال، ويسع الناس جميعا، فحتى ذلك الأعرابي الذي لم يخجل أن يبول في ركن المسجد أمام الناس لم يغلّظ عليه، وقابله لما ينبغي لمثله من الرفق واللين.