يحكي الأستاذ العقاد واقع معاملة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لزوجاته بأن ما أوجبه على المسلمين عامة في معاملاتهم لزوجاتهم كان دون ما أوجبه على نفسه في معاملة زوجاته بكثير، فكان يشفق أن يرينه غير باسم في وجوههن، ويزورهنّ جميعا في الصباح والمساء، وإذا خلا بهنّ كان ألين الناس بسّاما ضحّاكا كما قالت عنه أم المؤمنين السيدة عائشة (رضي الله عنها) .
ولم يجعل من هيبة النبوّة سدا رادعا بينه وبين نساءه، بل أنساهنّ برفقه وإيناسه أنّهن يخاطبن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في بعض الأحايين.
وكان من رحمته بهنّ أن كان يستغفر الله فيما لا يملك من التسوية بين إحداهنّ وسائرهنّ، وهو ميل قلبه: (اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك) . (18)
لقد كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خير الناس بأهله، ولم يذكرنه أمهات المؤمنين بعد وفاته إلا بالذكر الحسن، وطيب العشرة، وحسن الصحبة.
لقد كانت الواحدة منهنّ تقدّر النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) كزوج لها، وكرجل يعاشرها، وكان اتصاله بجميع نساءه دون تمييز بينهنّ، وكان التزامه بالإحسان لهنّ، والرفق بهنّ، والشفقة عليهنّ.
وقد ضرب صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في التلطّف مع أهل بيته، حتى إنه كان يجلس عند بعيره فيضع ركبته وتضع صفية (رضي الله عنها) رجلها على ركبته حتى تركب البعير، وكان عندما تأتيه ابنته فاطمة (رضي الله عنها) يأخذ بيدها ويقبلها، ويجلسها في مكانه الذي يجلس فيه. (19)
"...رحمته بالمؤمنين والأصحاب"
لقد جاءت رحمة الرسول (صلى الله عليه وسلم) بالمؤمنين امتثالا لقول الله تعالى: {واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين} . (20)
عن أنس (رضي الله عنه) قال: (كان رسول الله(صلى الله عليه وسلم) من أشد الناس لطفا، والله ما كان يمتنع عن غداة باردة من عبد ولا من أمة ولا صبي أن يأتيه بالماء فيغسل وجهه وذراعيه، وما سأله سائل قط إلا أصغى إليه أذنه فلم ينصرف حتى يكون هو الذي ينصرف عنه، وما تناول أحد بيده إلا ناوله إيّاها فلم ينزع حتى يكون هو الذي ينزعها منه). (21)