لقد اتضح مما سبق مفهوم هذا الخلق الكريم الذي امتاز به رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، كما تم تقرير الأدلة التي أكدت على هذا الخلق الكريم، سواء ما كان منها من دلائل قرآنية، أو ما كان منها من دلائل محمدية قد وردت في السيرة العطرة على نحو ما ذكر في الباب السابق.
...وحتى تكتمل الصورة حول حقيقة خلق الرحمة كما انعكس على واقع الحياة المحمدية، فلا بد من التأكيد على أن هذه الرحمة باعتبارها جزءا لا يتجزأ من شخصية الرسول (صلى الله عليه وسلم) ، وواقع متشابكا مع أحداث حياته، فإن المقام يستدعي استحضار حقائقها ومظاهرها، ولو أن الرحمة لم تكن سجية وصفة متأصلة في شخصية الرسول (صلى الله عليه وسلم) لما كانت انعكاسا لمختلف تصرفاته في الحياة.
لقد فطره الله منذ ولادته على هذا الخلق الكريم، وجعله ينشأ في بيئة يسودها واقع الرحمة منذ طفولته، وهو ما جعلها تزيد كسجية عمقا وتأصلا في ذاته.
وإذا كان خلق الرحمة خلقا قد تأصل في ذاته، وانعكس على واقع حياته، فإنه من الأحرى أن يوظّف هذا الخلق المؤثر في سبيل نشر دعوته ودينه؛ ليستوعب بفضل ذلك ويمتلك ألباب العقلاء ممن آمن واستظل بظلال الإسلام بفضل دعوته.
ولا غرو أن الجهاد والقتال جزء لا يتجزأ من أجزاء الدعوة، وأسلوب ثانوي من أساليبها، وقد استخدمه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من أجل نشر دينه ودعوته، ورغم أن استخدمه، إلا أنه كان رحيما في استخدامه وتفعيله على ارض الواقع.
...إن حقيقة العبقرية التي بلغها النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) في توظيف محاسن أخلاقه من أجل تأدية وظيفته المتمثلة بنشر الدين على وجه الكمال حقيقة جديرة بالتناول والاستعراض. ومما لا شك فيه أن الرحمة كأبرز الأخلاق المحمدية كان لها الأثر والأثر الكبير في نشر حقائق الدين وتعاليمه.