فلم تكُنْ استجابة الله لزكريا أنْ يهبه الولد حال كِبَره وكوْن امرأته عاقراً ، إنما أيضاً سماه ، ولله تعالى سِرٌّ في هذه التسمية ؛ لأن الناس أحرار في وَضْع الأسماء للمُسمّيات كما قلنا فلا مانع أن نسمي فتاة زنجية (قمر) ؛ لأن الاسم يخرج عن معناه الأصلي ، ليصير عَلَماً على هذا المسمى . إذن: هناك فَرْق بين الاسم وبين المسمَّى .
وقد نُسمِّي الأسماء تفاؤلاً أن يكونوا كذلك ، كالذي سمَّي ولده يحيى ، ويظهر أنه كان يعاني من موت الأولاد ؛ لذلك قال:
فَسمَّيْتُه يَحيى ليحيى فَلَم يكُنْ ... لِرَدِّ قَضَاءِ اللهِ فيه سَبيلُ
أي: سمَّيْته يحي أَملاً في أن يحيا ، لكن هذا لم يردّ عنه قضاء الله .
وكذلك لما سمَّي عبد المطلب محمداً قال: سمَّيته محمداً ليُحمد في الأرض وفي السماء .
لكن ، حين يُسمِّى يحيى مَنْ يملك الحياة ويملك الموت ، فلا بُدَّ أن يكون اسماً على مُسمَّى ، ولا بُدَّ له أن يحيا ، حتى إنْ مات يموت شهيداً ، لتتحقق له الحياة حتى بعد الموت .
ومعنى: {وَوَهَبْنَا . .} [الأنبياء: 90] أي: أعطيناه بدون قانون التكوين الإنساني ، وبدون أسباب .
ثم يقول سبحانه: {وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ...} [الأنبياء: 90] فبعَد أنْ كانت عاقراً لا تلد أجرينا لها عملية ربانية أعادتْ لها مسألة الإنجاب ؛ لأن المرأة تلد طالما فيها البويضات التي تكوِّن الجنين ، فإذا ما انتهتْ هذه البويضات قد أصبحت عقيماً ، وهذه البويضات في عنقود ، ولها عدد مُحدَّد أشبه بعنقود البيض في الدجاجة ؛ لذلك يسمون آخر الأولاد"آخر العنقود".
إذن: وُجِد يحيى من غير الأسباب الكونية للميلاد ؛ لأن المكوِّن سبحانه أراد ذلك .
لكن ، لماذا لم يقُلْ لزكريا أصلحناك؟ قالوا: لأن الرجل صالح للإنجاب ما دام قادراً على العملية الجنسية ، مهما بلغ من الكِبَر على خلاف المرأة المستقبِلة ، فهي التي يحدث منها التوقُّف .