وَقَوْلُهُ: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ}
عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ، قَالَ: بَلَغَنِي"أَنَّ يُونُسَ، لَمَّا أَصَابَ الذَّنْبَ، انْطَلَقَ مُغَاضِبًا لِرَبِّهِ، وَاسْتَزَلَّهُ الشَّيْطَانُ، حَتَّى ظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ. قَالَ: وَكَانَ لَهُ سَلَفٌ وَعِبَادَةٌ وَتَسْبِيحٌ. فَأَبَى اللَّهُ أَنْ يَدَعَهُ لِلشَّيْطَانِ، فَأَخَذَهُ فَقَذَفَهُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ، فَمَكَثَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ أَرْبَعِينَ , مِنْ بَيْنِ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ، فَأَمْسَكَ اللَّهُ نَفْسَهُ، فَلَمْ يَقْتُلْهُ هُنَاكَ. فَتَابَ إِلَى رَبِّهِ فِي بَطْنِ الْحُوتِ، وَرَاجَعَ نَفْسَهُ"قَالَ:"فَقَالَ: {سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} قَالَ: فَاسْتَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْ بَطْنِ الْحُوتِ بِرَحْمَتِهِ بِمَا كَانَ سَلَفَ مِنَ الْعِبَادَةِ وَالتَّسْبِيحِ، فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ".
قَالَ عَوْفٌ: وَبَلَغَنِي"أَنَّهُ قَالَ فِي دُعَائِهِ: وَبَنَيْتُ لَكَ مَسْجِدًا فِي مَكَانٍ لَمْ يَبْنِهِ أَحَدٌ قَبْلِي"
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ بِمَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ، وَإِنَّمَا تَأْوِيلُهُ: أَفَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ؟
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} قَالَ: هَذَا اسْتِفْهَامٌ. وَفِي قَوْلِهِ: {فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ} , قَالَ: «اسْتِفْهَامٌ أَيْضًا»
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ، قَوْلُ مَنْ قَالَ: عَنَى بِهِ: فَظَنَّ يُونُسُ أَنْ لَنْ نَحْبِسَهُ , وَنُضَيِّقَ عَلَيْهِ، عُقُوبَةً لَهُ عَلَى مُغَاضَبَتِهِ رَبَّهُ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْكَلِمَةِ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى الْكُفْرِ وَقَدِ اخْتَارَهُ لِنُبُوَّتِهِ، وَوَصْفُهُ بِأَنْ ظَنَّ أَنَّ رَبَّهُ يَعْجِزُ عَمَّا أَرَادَ بِهِ , وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَصْفٌ لَهُ بِأَنَّهُ جَهِلَ قُدْرَةَ اللَّهِ، وَذَلِكَ وَصْفٌ لَهُ بِالْكُفْرِ، وَغَيْرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ وَصْفُهُ بِذَلِكَ [1] .
[1] كلام الإمام الطبري هنا يدعو إلى التعجب، فهو ينفي - كما ترى - عن سيدنا يونس - عليه السلام - الشك في قدرة الله، وقبل ذلك رجَّح أنه - عليه السلام - خرج مغاضبا لربه، لا لقومه. سبحان الله وبحمده سبحان العظيم.