وَقَوْلُهُ: {رَحْمَةً} نُصِبَتْ بِمَعْنَى: فَعَلْنَا بِهِمْ ذَلِكَ رَحْمَةً مِنَّا لَهُ.
وَقَوْلُهُ: {وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ}
يَقُولُ: وَتَذْكِرَةً لِلْعَابِدِينَ رَبَّهُمْ , فَعَلْنَا ذَلِكَ بِهِ لِيَعْتَبِرُوا بِهِ , وَيَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ قَدْ يَبْتَلِي أَوْلِيَاءَهُ وَمَنْ أَحَبَّ مِنْ عِبَادِهِ فِي الدُّنْيَا بِضُرُوبٍ مِنَ الْبَلَاءِ فِي نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَمَالِهِ، مِنْ غَيْرِ هَوَانٍ بِهِ عَلَيْهِ، وَلَكِنِ اخْتِبَارًا مِنْهُ لَهُ , لِيَبْلُغَ بِصَبْرِهِ عَلَيْهِ , وَاحْتِسَابِهِ إِيَّاهُ , وَحُسْنِ يَقِينِهِ مَنْزِلَتَهُ الَّتِي أَعَدَّهَا لَهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنَ الْكَرَامَةِ عِنْدَهُ.
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، قَالَ:"أَيُّمَا مُؤْمِنٍ أَصَابَهُ بَلَاءٌ فَذَكَرَ مَا أَصَابَ أَيُّوبَ فَلْيَقُلْ: قَدْ أَصَابَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنَّا , نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ"
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (85) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (86) }
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِإِسْمَاعِيلَ: إِسْمَاعِيلَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ صَادِقَ الْوَعْدِ، وَبِإِدْرِيسَ: أَخْنُوخَ، وَبِذِي الْكِفْلِ: رَجُلًا تَكَفَّلَ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ إِمَّا مِنْ نَبِيٍّ , وَإِمَّا مِنْ مَلِكٍ مِنْ صَالِحِي الْمُلُوكِ بِعَمَلٍ مِنَ الْأَعْمَالِ، فَقَامَ بِهِ مِنْ بَعْدِهِ، فَأَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِ حُسْنَ وَفَائِهِ , بِمَا تَكَفَّلَ بِهِ , وَجَعَلَهُ مِنَ الْمَعْدُودِينَ فِي عِبَادِهِ، مَعَ مَنْ حُمِدَ صَبْرُهُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ.
عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: {وَذَا الْكِفْلِ} قَالَ"رَجُلٌ صَالِحٌ غَيْرُ نَبِيٍّ [1] ، تَكَفَّلَ لِنَبِيِّ قَوْمِهِ أَنْ يَكْفِيَهُ أَمْرَ قَوْمِهِ , وَيُقِيمَهُ لَهُمْ , وَيَقْضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْعَدْلِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَسُمِّيَ ذَا الْكِفْلِ."
وَنَصَبَ إِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ , وَذَا الْكِفْلِ، عَطْفًا عَلَى أَيُّوبَ، ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ بِقَوْلِهِ: {كُلٌّ} فَقَالَ: {كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ} وَمَعْنَى الْكَلَامِ: كُلُّهُمْ مِنْ أَهْلِ الصَّبْرِ فِيمَا نَابَهُمْ فِي اللَّهِ
وَقَوْلُهُ: {وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَدْخَلْنَا إِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ وَالْهَاءُ وَالْمِيمُ عَائِدَتَانِ عَلَيْهِمْ {فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ}
يَقُولُ: إِنَّهُمْ مِمَّنْ صَلُحَ، فَأَطَاعَ اللَّهَ وَعَمِلَ بِمَا أَمَرَهُ.
[1] لا يخفى ما فيه من بُعْدٍ بعيد.