وقال أبو علي: إنما حذفت النون من الخط كراهية لاجتماع صورتين متفقتين، وقد كرهوا ذلك في الخط في غير هذا الموضع، وذلك أنهم كتبوا نحو: الدنيا والعليا بالألف، ولولا الياء التي قبل الألف لكتبوها بالياء كما كتبوا نحو: نهمى وحبلى، وأخرى ونحو ذلك بالياء، فلما كرهوا الجمع بين صورتين متفقتين في هذا النحو كذلك كرهوه في (ننجي) فحذف النون الساكنة.
وأما قراءة عاصم فقد حكم عليها الزجاج والفراء وجميع النحويين بالغلط عليها وأنها لحن.
ثم ذكر الفراء لها وجهًا فقال: أضمر المصدر في (بني) فنوى به الرفع، ونصب المؤمنين، فيكون كقولك ضرب الضرب زيدًا؛ ثم تكني عن أنْضرب فتقول: ضُرب زيدًا، وكذلك نُجي النجاء زيدًا.
وممن صوّب هذه القراءة واختارها أبو عبيد، فقال: وإنما قرأها عاصم كذلك اتباعًا للخط، وله مخرجان في العربية:
أحدهما: أن يريد (نُنَجّي) مشددة لقوله: {وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ} ثم تدغم النون الثانية في الجيم.
والمخرج الثاني: ذكره، وهو ما ذكر الفراء، وذكره ابن قتيبة أيضًا وأنشد:
ولو ولدت قُفَيْره جَرْوَ كَلْبٍ ... لَسُبَّ بذلك الجرْوِ الكلابا
نصب الكلاب على إضمار المصدر.
وأما تسكين الياء من (نُجّيْ) على قراءة عاصم فقال ابن الأنباري: سكنت الياء من (نجي) وهو فعل ماض؛ لأن جماعة من العرب يستثقلون تحريك الياء فيقولون: بقي فلان، ورضي فلان. وإلى هذا ذهب الحسن فقرأ: (وذروا ما بقيْ من الربا) ، قال الشاعر:
ليت شِعْري إذا القيامةُ قامَتْ ... وَدُعِي بالحسابِ أين المصيرا
قال: وقال الفراء: وقوم من العرب يكرهون تحريك الياء فيجعلونها ألفاً فيقولون في بقي: بقا،، وفي نعي: نعا.
وأنشد:
لعمرك ما أخشى التصعلك ما بقا ... على الأرض قيسيّ يسوق الأباعرا
وأنشد أيضًا:
أفي كلِّ عَامٍ مَأتَمٌ تُحْدِثُونَه ... على فَاجِعٍ من خير قومِكم نُعَا