قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإيمَانِ: أنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأنْ يُّحِبَّ الْمَرْءَ لا يُّحِبُّهُ إلا لِلَّهِ، وَأنْ يَكْرَهَ أنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ في النَّارِ» متفق عليه.
والمراقبة من أجلِّ أعمال القلوب، فمتى علم العبد أنه مكشوف أمام الله، وأن حركاته الظاهرة والباطنة قد أحاط الله بعلمها، واستحضر هذا العلم في كل أحواله، أوجب له ذلك حراسة باطنه عن كل فكر وهاجس يبغضه الله، وحفظ ظاهره عن كل فعل أو قول يسخطه الله، وعبد الله بمقام الإحسان.
ومن راقب الله في سره وجهره، واتقاه في أمره ونهيه، أوصله ذلك بإذن الله إلى مرضاة ربه، والفوز بالجنة.
وصاحب المراقبة يدع المعاصي استحياءً من ربه وهيبةً له أكثر مما يدعها خوفاً من عقوبته.
ألا ما أجهل الإنسان بربه حين يكفر به ويعصيه، ولا يكفيه ذلك حتى يزجر من يؤمن به ويطيعه: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (10) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (12) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14) } [العلق: 9 - 14] .
وإن الإنسان ليرجف ويضطرب فؤاده حين يشعر أن سلطان الأرض يراقبه بجواسيسه وعيونه، مع أن سلطان الأرض مهما تكن عيونه لا يراقب إلا حركة الإنسان الظاهرة، وهو يحتمي منه إذا آوى إلى داره، أو إذا أغلق فمه. أما قبضة الجبار فهي مسلطة عليه ترقبه أينما حل وأينما سار في كل وقت.
وأما رقابة الله فهي مسلطة على الأقوال والأعمال، والضمائر والأسرار.
وخالق الإنسان أدرى بتركيبه وسره، فالعبد مكشوف الكنه والوصف والسر لخالقه العظيم، العليم بمنشئه وحاله ومصيره، وهو سبحانه أقرب إلى أحدنا من حبل الوريد الذي يجري فيه الدم كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) } [ق: 16] .