ثم ذكر الله تعالى حال موسى أيضاً مع بني إسرائيل بعد أن تجاوز بهم البحر، فقد انتهى بهم إعراضهم عن منهج الله مع موسى عليه السلام، انتهى بهم ذلك إلى حالةٍ جعلتهم تحت حوافر البهائم والأنعام، مقامهم هكذا، يخرون سجداً لعجلٍ صنم، لعجلٍ جسد لا روح فيه، عبدوا العجل من دون الله، ليتهم عبدوا شيئاً كبيراً، شيئاً عظيماً، شيئاً له قيمة، أما أن يخر الإنسان ساجداً تحت حوافر عجلٍ بهيمٍ فهذا من سوء الارتكاس وهذا من سوء العاقبة نعوذ بالله منها.
ثم بعد ذلك عرض الله تعالى على هذه الأمة صورةً مهيبةً مرعبة من يوم القيامة وما يكون فيها من أحداثٍ وأهوال حين ينسف الله الجبال نسفا فيزرها قاعاً صفصفا لا ترى فيها عوجاً ولا أمتا، حين ينسق الناس وراء من يدعوهم لا يملكون اختياراً ولا تمنّعاً كما كانوا يعاندون في الدنيا، يوم القيامة يدعوهم داعيهم فينساقون كالأنعام وراءه، إلا أن يلقى مصيرهم عند الله عز وجل، يوم أن تخشع الأصوات كلها للرحمن فلا تسمع إلا همساً، وتعنوا الوجوه للرحمن ولا يظلم الله أحداً، وهكذا موقف في منتهى المهابة.
ثم يعرض الله تعالى ويذكِّر هذه الأمة الخاتمة بأول درسٍ في الدنيا، لكل الأمم ولكل البشرية، ذلكم الدرس الذي طبقه الله على آدم عليه السلام حين أسكنه الجنة وعلمه أن الجنة كلها حلال إلا هذه الشجرة، فأنت يا إنسان يا بني آدم أنتم في الدنيا بين الحلال والحرام مختبرون، سعادتكم أن تأخذوا الحلال الواسع الكثير وأن تتركوا الحرام القليل، من سلك هذا الطريق نجى ومن وقع في الحرام فقد منع نفسه من الخير، عكر سعادة حياته، ولا يكون ذلك في الإنسان إلا بإغواء من الشيطان كما فعل إبليس ووسوس لآدم.