سورتنا هذه عرضت الموضوع المذكور من خلال البداية حيث نبَّه الله تبارك وتعالى أولاً على الهدف من إنزال القرآن الكريم، والجهة التي نزل منها القرآن"مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى"، فلم ينزل القرآن ليشقى به الناس، إذاً أُنزل ليسعد به الناس، وليُسد الله به الخلق تذكرةً للناس يتذكرون بها فيسعدون في الدنيا والآخرة، فهذا القرآن تنزيلٌ من عند الله تبارك وتعالى الجامع لهذه الأوصاف من أوصاف الكمال العظيمة والجلال العظيم الذي لم يكن إلا لله الواحد الذي له الأسماء الحسنى.
ثم عرض الله تعالى هذا المنهج - منهج السعادة - وكيف أنه من أعرض عنه عاش حياةً ضنكاً وضائقةً وتعيسةً تنتهي بالشر والسوء، عرض الله ذلك من خلال آخر رسالةٍ قبلنا رسالة سيدنا موسى عليه السلام، وكما عرفنا رسالة موسى هي آخر الرسالات قبل رسالة القرآن، وما كان عيسى إلا متمماً لرسالة موسى فالأصل في هذه الرسالة - رسالة أهل الكتاب أو بني إسرائيل - هو موسى عليه السلام بما جاء به من التوراة، ثم جاء عيسى مكملاً لما حرم الله منه اليهود من التوراة، حرمهم من لوح المواعظ فبعث به عيسى عليه السلام عند النصارى، وكلهم واحد أمةٌ واحدة.
فذكَّرنا الله تعالى بآخر رسالة، وكيف أن موسى لما واجه فرعون بهذا المنهج ليسعد في حياته سعادةً حقيقية أعرض وكذَّب وعصى رغم ما رأى من الآيات الكبرى فانتهى أمره إلى الغرق والهلاك"فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ".