بقوله: {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً} هذا محض معجزته لأنه نطق بالحق وتفرس بنور النبوة أن قومه جاءوا بالإشارة إليه بالألوهية فنفى العلة من البين حتى لا يكون لهم شبهة بانه عبد من عبيده وامين من امنائه وان كان عليه كسوة أنوار الربوبية انظر كيف حركته في المعرفة حتى اجترى بعبودية القدم الأزلى الذي لا يقوم بعبوديته الاكوان والحدثان باسرها في مقام واحد ولو تلقى ذرة من حقوق العبودية على جميعهم لذابوا في نحت اثقالها وقوله {آتَانِيَ الْكِتَابَ} أي انا من أهل سماع كلامه القديم ولقائه الكريم أخبر الخلق والخليقة من الحقيقة وجعلنى نبيا صديقا مخبرا عن وصاله مباركا اينما كنت علي لباس بركة جماله أي حيث كنت واكون في الأرض والسّماء مباركا وبركتى تصل إلى المؤمنين بانى قرة عيونهم من تلك البركة أذهب عنهم البلاء وبها احيى الموتى واوصانى بالصلاة والزكاة بظاهر العبودية والخدمة التي فيها لطائف المناجاة وفتح أبواب المشاهدات وزكاتى بذل وجودى له وهذه العبودية المباركة واجبة عليّ وعلى من اتبعنى وان بلغنا إلى منازل الاتصاف والانصاف والاتحاد وفيه إشارة انه وان كان في الحضرة يخدم صانعه ويتواضع لخالقه لأن عبوديته افخر الفاخر له وقال تعالى {لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} وقال الجنيد في قوله {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ} ليس بعبد هوى ولا عبد طمع ولا عبد شهوة اتانى الكتاب يخصنى بخصائص الأسرار وجعلنى نبيّا مخبرا عنه خبر صدق وقال ابن عطا لما علم الله في عيسى ما علم من أن يتكلم فيه من أنواع الكفر انطقه أول ما انطقه بقوله إني عبد الله ليكون ذلك جحداً على من يدعى فيه ما يدعى إذ قد شهد هو الله بالعبودية وقال أيضا في قوله مباركا اينما كنت انفاعا للناس كافي الأذى قال الواسطى جعلنى مباركا عارفا بالله داعيا إليه وقال الجنيد مباركا على من صحبنى وتبعنى أن ادله على الاعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة وقال ابن عطا في قوله {وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ} أمرنى بمواصلته وطهارة السر عما دونه ما دمت حيا بحياته.