في ذلك بنصيحة ربّه عزّ وعلا. وذلك أنه طلب منه أولا العلّة في خطئه طلب منبّه على تماديه ، موقظ لإفراطه وتناهيه ، لأن المعبود لو كان حيّا مميزا سميعا بصيرا مقتدرا على الثواب والعقاب ، نافعا ضارا ، إلا أنه بعض الخلق ، لاستخف عقل من أهله للعبادة ووصفه بالربوبية ، ولسجل عليه بالغي المبين والظلم العظيم ، وإن كان أشرف الخلق وأعلاهم منزلة ، فما ظنك بمن وجّه عبادته إلى جماد ، ليس به حس ولا شعور ، فلا يسمع يا عابده ذكرك له ، وثناءك عليه ، ولا يرى هيئات خضوعك وخشوعك ، فضلا أن يغني عنك ، بأن تستدفعه بلاء فيدفعه ، أو تسنح لك حاجة فيكفيكها ...!
ثم ثنّى بدعوته إلى الحق ، مترفقا به متلطفا ، فلم يسمّ إياه بالجهل المفرط ، ولا نفسه بالعلم الفائق ، ولكنه قال: إن معي طائفة من العلم وشيئا منه ليس معك ، وذلك علم الدلالة على الطريق السوي ، فلا تستنكف ، وهب أني وإياك في مسير ، وعندي معرفة بالهداية دونك ، فاتبعني أنجك من أن تضل وتتيه ..!
ثم ثلث بتثبيطه ونهيه عما كان عليه ، بأن الشيطان الذي استعصى على ربك الرحمن ، الذي جميع ما عندك من النعم من عنده ، هو عدوك الذي لا يريد بك إلا كل هلاك وخزي ونكال ، وعدو أبيك آدم وأبناء جنسك كلهم وهو الذي ورطك في هذه الضلالة وأمرك بها وزينها لك فأنت ان حققت النظر عابد الشيطان ..!
إلا أن إبراهيم عليه السلام ، لإمعانه في الإخلاص ، ولارتقاء همته في الربانية ، لم يذكر من جنايتي الشيطان إلا التي تختص منها برب العزة ، من عصيانه واستكباره ، ولم يلتفت إلى ذكر معاداته لآدم وذريته. كأن النظر في عظم ما ارتكب من ذلك غمر فكره ، وأطبق على ذهنه.
ثم ربّع بتخويفه سوء العاقبة ، وبما يجره ما هو فيه من التبعة والوبال ، ولم يخل ذلك من حسن الأدب ، حيث لم يصرح بأن العقاب لاحق له ، وأن العذاب لاصق به ، ولكنه قال: أخاف أن يمسّك عذاب ، فذكر الخوف والمسّ ، وذكر