قال تعالى"أُولئِكَ"إشارة إلى الأنبياء المذكورين في هذه السورة كلهم، وما في هذه الكلمة من معنى البعد يؤيد أن نزولها كان متأخرا إذ كان بعد بضع سنين، وفيها إشارة أخرى إلى علو منزلة المشار إليهم ولارتفاع شأنهم عنده"الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ"أي إدريس ونوح ومن تقدمه من الأنبياء ومن حملهم في سفينته وذريتهم ومنهم إبراهيم لأنه
من ولد سام بن نوح"وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ"إسحاق وإسماعيل ويعقوب المعني بقوله"وَإِسْرائِيلَ"ومن ذرية موسى وهرون وزكريا ويحيى وعيسى المار ذكرهم، عليهم جميعا صلوات اللّه وسلامه، لأنهم كما شرفوا بالنبوة شرفوا بالنسب الطاهر"وَ"هؤلاء المحترمون الأكارم"مِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا"من خلقنا إلى الإيمان بنا والدعوة لخلقنا لتوحيدنا
ورفض ما سوانا"إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ"المتضمنة الأمر لهم بالسجود لنا والخضوع لعظمتنا والخشوع لقدرتنا"خَرُّوا"سقطوا على وجوههم إلى الأرض"سُجَّداً"لإلهيّتنا وحدها"وَبُكِيًّا"58 خوفا منا وطمعا برحمتنا.
وقيل في المعنى
ونبكي إن نأوا شوقا إليهم ونبكي إن دنوا خوف الفراق
مطلب في السجود وما يقول فيه وكلمة خلف:
وهذه السجدة من عظائم السجود أيضا، أخرج ابن أبي الدنيا في (البكاء) وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في (الشعب) عن عمر رضي اللّه عنه أنه قرأ سورة مريم فسجد ثم قال: هذا السجود فأين البكاء؟ وأخرج ابن ماجه وإسحاق بن راهويه والبزار في مسنديهما من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعا: اتلوا القرآن وابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا.