وخلاصة قصته عليه السلام أنه حببّ إلى الملائكة لكثرة عبادته ، فقال لملك الموت أذقني الموت يهن علي ففعل بإذن اللّه ، ثم أحياه اللّه ، ثم قال لمالك خازن النار ، أدخلني النار أزدد رهبة من اللّه ، فأدخله فيها بإذن اللّه ، ثم أخرجه منها ، ثم قال إلى رضوان خازن الجنة أدخلني الجنة أزدد رغبة في عبادة اللّه ، فأدخله فيها بإذن اللّه ، ولما أراد أن يخرجه أبى فتلاحيا بينهما ، فبعث اللّه ملكا ليتحاكما إليه ، فقال الملك بعد أن أخذ ادعاء المدعي رضوان ودفاع المدعى عليه إدريس لإدريس: لم لم تخرج بأمره بعد أن أدخلك بأمره وأنت تعترف بأنك استأذنته بالدخول وأنه أمرك بالخروج فلم تفعل ؟ قال لأن اللّه قضى على كل نفس بالموت بقوله: (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ) الآية 36 من سورة الأنبياء في ج 2 وقد متّ ، وقضى على كل نفس بورود جهنم بقوله: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها) الآية 74 الآتية وقد وردتها ، وقضى على كل من دخل الجنة أن لا يخرج منها بقوله: (وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ) الآية 49 من سورة الحجر في ج 2 ، ولذلك فإني لا أخرج.
فأوحى اللّه إلى الملك بأمري دخل وبأمري لا يخرج.
وجاء هذا في حديث طويل أخرجه ابن المنذر عن عمر مولى عفرة يرفعه إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، واللّه أعلم بذلك ، ولا يقال إن هذه الآيات المحتج بها نزلت على محمد ولم تكن في زمنه ، لأن اللّه قادر على إلهامه إياها ، لأنها مدونة في لوحه ، وقد يجوز أنه أشار إليها في الصحف التي أنزلها عليه.
هذا ، وان الرفعة بالمكان كما جاء في هذه الآية لا تكون معنوية بل حسية ، وظاهرها لا يحتاج إلى التأويل فيكون ، واللّه أعلم ، أن سيدنا إدريس حي خالد في جنة ربه ، نسأل اللّه أن يدخلنا فيها ونراه إن شاء اللّه ، وهذه الآية المدنية من هذه السورة المتأخر نزولها عنها.