واعلم أن الدعاء هنا بمعنى العبادة بدليل الآية بعدها لأنها كالمفسّرة لها ، ويجوز أن يكون على ظاهره ، لأن الدعاء من العبادة ، والعبادة مشتملة على الدعاء ، وفي تصدير الكلام بما ذكر نهاية في إظهار التواضع ومراعاة لحسن الأدب ، وتنبيه على أن الإثابة والإجابة بطريق التفضل من اللّه عز وجل لا بطريق الوجوب ، وأن العبرة بالخاتمة وهي من الأمور الغيبية المختصة بعالم الغيب ، ثم هاجر عليه السلام إلى الشام فإلى بيت المقدس ، قال تعالى"فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ"بعد أن سمع من أبيه ما سمع وأيس من إيمانه وقومه وخاف على نفسه من القتل"وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا"49 وهذا من ألطاف اللّه بأنبيائه وعنايته بهم وعطفه على خلّص عباده وعطائه لهم ، إذ أنه عليه السلام هاجر إلى ربه طريدا فوفقه من هاجر إليه إلى زوجة صالحة ورزقه أولادا وجعلهم أنبياء مثله ، وأنعم عليهم بما أنعم عليه ، وآنسه برفقتهم ، وعوّضه عن أبيه وقومه خيرا"وَوَهَبْنا لَهُمْ"ولولديه الكريمين"مِنْ رَحْمَتِنا"أموالا وأولاد"وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ"ثناء حسنا"عَلِيًّا"50 رفيعا مشهورا في جميع الأديان مستمرا إلى أبد الدوران ، إذ ما من أمة إلا وتلهج بالثناء على إبراهيم وولده ، فانظر عطاء الله إلى أوليائه كيف يكون بغير قدر ولا حساب ، أللهم اجعلنا من أتباعهم.
ستأتي بقية قصته مع أبيه وقومه في الآية 51 فما بعدها من سورة الأنبياء في ج 2
وَاذْكُرْ"يا سيد الرسل لقومك"فِي الْكِتابِ"أيضا قصة"مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً"أخلصه اللّه واصطفاه بعد أن استخلفه."