قوله تعالى: {آتِنَا غَدَآءَنَا} فيه مسألة واحدة ، وهو اتخاذ الزاد في الأسفار ، وهو ردٌّ على الصوفية الجهلة الأغمار ، الذين يقتحمون المهامه والقِفار ، زعماً منهم أن ذلك هو التوكل على الله الواحد القهار ؛ هذا موسى نبي الله وكليمه من أهل الأرض قد اتخذ الزاد مع معرفته بربه ، وتوكله على رب العباد.
وفي صحيح البخاري: إن ناساً من أهل اليمن كانوا يحجون ولا يتزوّدون ، ويقولون: نحن المتوكلون ، فإذا قدموا سألوا الناس ، فأنزل الله تعالى {وَتَزَوَّدُواْ} [البقرة: 197] .
وقد مضى هذا في"البقرة".
واختلف في زاد موسى ما كان ؛ فقال ابن عباس: كان حوتاً مملوحاً في زنبيل ، وكانا يصيبان منه غداء وعشاء ، فلما انتهيا إلى الصخرة على ساحل البحر ، وضع فتاه المِكتل ، فأصاب الحوت جري البحر فتحرك الحوت في المكتل ، فقلب المكتل وانسرب الحوت ، ونسي الفتى أن يذكر قصة الحوت لموسى.
وقيل: إنما كان الحوت دليلاً على موضع الخضر لقوله في الحديث:"احمل معك حوتاً في مِكتل فحيث فقدت الحوت فهو ثَمَّ"، على هذا فيكون تَزوَّدا شيئاً آخر غير الحوت ، وهذا ذكره شيخنا الإمام أبو العباس واختاره.
وقال ابن عطية: قال أبي رضي الله عنه ، سمعت أبا الفضل الجوهريّ يقول في وعظه: مشى موسى إلى المناجاة فبقي أربعين يوماً لم يحتج إلى طعام ، ولما مشى إلى بَشَر لحقه الجوع في بعض يوم.
وقوله:"نَصَباً"أي تعباً ، والنصب التعب والمشقة.
وقيل: عنى به هنا الجوع ، وفي هذا دليل على جواز الإخبار بما يجده الإنسان من الألم والأمراض ، وأن ذلك لا يقدح في الرضا ، ولا في التسليم للقضاء لكن إذا لم يصدر ذلك عن ضجر ولا سخط.