{كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً} .. ويختار التعبير كلمة {تظلم} في معنى تنقص وتمنع ، لتقابل بين الجنتين وصاحبهما الذي ظلم نفسه فبطر ولم يشكر ، وازدهى وتكبر.
وها هو ذا صاحب الجنتين تمتلئ نفسه بهما ، ويزدهيه النظر إليهما ، فيحس بالزهو ، وينتفش كالديك ، ويختال كالطاووس ، ويتعالى على صاحبه الفقير: {فقال لصاحبه - وهو يحاوره - أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً} ..
ثم يخطو بصاحبه إلى إحدى الجنتين ، وملء نفسه البطر ، وملء جنبه الغرور ؛ وقد نسي الله ، ونسي أن يشكره على ما أعطاه ؛ وظن أن هذه الجنان المثمرة لن تبيد أبداً ، أنكر قيام الساعة أصلاً ، وهبها قامت فسيجد هنالك الرعاية والإيثار! أليس من أصحاب الجنان في الدنيا فلا بد أن يكون جنابه ملحوظاً في الآخرة!
{ودخل جنته وهو ظالم لنفسه. قال: ما أظن أن تبيد هذه أبداً ، وما أظن الساعة قائمة. ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلباً} !
إنه الغرور يخيل لذوي الجاه والسلطان والمتاع والثراء ، أن القيم التي يعاملهم بها أهل هذه الدنيا الفانية تظل محفوظة لهم حتى في الملأ الأعلى! فما داموا يستطيلون على أهل هذه الأرض فلا بد أن يكون لهم عند السماء مكان ملحوظ!
فأما صاحبه الذي لا مال له ولا نفر ، ولا جنة عنده ولا ثمر.. فإنه معتز بما هو أبقى وأعلى. معتز بعقيدته وإيمانه. معتز بالله الذي تعنو له الجباه ؛ فهو يجبه صاحبه المتبطر المغرور منكراً عليه بطره وكبره ، يذكره بمنشئه المهين من ماء وطين ، ويوجهه إلى الأدب الواجب في حق المنعم. وينذره عاقبة البطر والكبر. ويرجو عند ربه ما هو خير من الجنة والثمار: