إن العقيدة ليست ملكاً لأحد حتى يجامل فيها. إنما هي ملك لله ، والله غني عن العالمين. والعقيدة لا تعتز ولا تنتصر بمن لا يريدونها لذاتها خالصة ، ولا يأخذونها كما هي بلا تحوير. والذي يترفع عن المؤمنين الذين يدعون ربهم بالغداوة والعشي يريدون وجهه لا يرجى منه خير للإسلام ولا المسلمين.
ثم يعرض ما أعد للكافرين ، وما أعد للمؤمنين في مشهد من مشاهد القيامة:
إنا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها ؛ وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه.
بئس الشراب وساءت مرتفقاً. إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً. أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار ، يحلون فيها من أساور من ذهب ؛ ويلبسون ثياباً خضراً من سندس وإستبرق ، متكئين فيها على الأرائك. نعم الثواب وحسنت مرتفقاً.
{أنا أعتدنا للظالمين ناراً} .. أعددناها وأحضرناها.. فهي لا تحتاج إلى جهد لإيقادها ، ولا تستغرق زمناً لإعدادها! ومع أن خلق أي شيء لا يقتضي إلا كلمة الإرادة: كن. فيكون. إلا أن التعبير هنا بلفظ {أعتدنا} يلقي ظل السرعة والتهيؤ والاستعداد ، والأخذ المباشر إلى النار المعدة المهيأة للاستقبال!
وهي نار ذات سرادق يحيط بالظالمين ، فلا سيبل إلى الهرب ، ولا أمل في النجاة والإفلات. ولا مطمع في منفذ تهب منه نسمة ، أو يكون فيه استرواح!
فإن استغاثوا من الحريق والظمأ أغيثوا.. أغيثوا بماء كدردي الزين المغلي في قول ، وكالصديد الساخن في قول! يشوي الوجوه بالقرب منها فكيف بالحلوق والبطون التي تتجرعه {بئس الشراب} الذي يغاث به الملهوفون من الحريق! ويا لسوء النار وسرادقها مكاناً للارتفاق والاتكاء. وفي ذكر الارتفاق في سرادق النار تهكم مرير. فما هم هنالك للارتفاق ، إنما هم للاشتواء! ولكنها مقابلة مع ارتفاق الذين آمنوا وعملوا الصالحات هنالك في الجنان.. وشتان شتان!