من الاستثناء جائز، وبنوا عليها مسائل وأحكامًا، ثم ذكر مثالًا على ذلك: لو قال:
لفلان عليَّ عشرة إلا خمسةً إلا أربعةً إلا ثلاثة. فالخمسة مستثنى من العشرة،
والأربعة مستثنى من الخمسة الثانية، مضاف إلى الخمسة الأولى، والثلاثة مستثنى
من التسعة فالواجب عليه إذن ستة ...
وذهب الزمخشري إلى أنَّ ما ذكر في الآية ليس من الاستثناء في شيء؛ لأنَّ
الاستثناء من الاستثناء إنَّما يكون فيما اتحد الحكم فيه، وأن يقال: أهلكناهم إلا آل
لوط إلا أمرأته. كما اتحد الحكم في قول المطلِّق: أنتِ طالق ثلاثًا إلا اثنتين إلا
واحدة، وقول المُقِرْ: لفلان عليَّ عشرة دراهم إلا ثلاثة إلا درهمًا.
وأمَّا الآية، فقد اختلف الحكمان؛ لأنَّ"آلَ لُوطٍ"متعلِّق بـ"أُرْسِلْنَا"أو
بـ"مُجْرِمِينَ"، و"إِلَّا امْرَأَتَهُ"قد تعلَّق بقوله:"لَمُنَجُّوهُمْ"، فكيف يكون استثناء
من الاستثناء؟ ..
-قَدَّرْنا: فعل ماض، و"نا": ضمير في محل رفع فاعل.
إِنَّهَا:"إن": حرف ناسخ، و"ها": ضمير في محل نصب اسم"إن".
لَمِنَ الْغَابِرِينَ: اللام المزحلقة، مِنَ الْغَابِرِينَ: جارّ ومجرور متعلِّقان بالخبر
المحذوف.
* وجملة"إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ"في محل نَصْب مفعول به للفعل"قَدَّر".
وذكر الهمذاني وجهًا آخر وهو أنَّ المفعول محذوف: قدّرنا بقاءها من
المهلكين، وما بعده تفسير له.
* وجملة"قَدَّرْنا"استئنافيَّة لا محلَّ لها من الإعراب.
وهنا مسألتان:
-الأولى: كسر همزة"إن": ذكر أبو حيان أنَّ العلة في ذلك أنَّ الفعل"قَدَّر"
جرى مجرى العِلْم، وذهب مثل هذا المذهب أبو السعود.
-وتعقبه تلميذه السمين بأنَّ هذا ليس علّة للكسر، بل العلة هي وجود اللام
في الخبر.
-وذكر مثل هذه العلّة العكبري، قال:"كُسِرت إنَّ ههنا من أجل اللام،"
ولولا اللام لفتحت"."
-وذكر أبو السعود عِلّة أخرى، وهي أنَّه يجوز حمل"قدّر"على معنى
"قلنا".
-الثانية: أنَّ الفعل"قَدَّر"عُلِّق عن العمل في اللفظ مع أنَّ التعليق خاص
بأفعال القلوب، وإنَّما جاز هنا لتضمّنه معنى العلم؛ فجرى فيه التعليق كما
يجري في أفعال القلوب.