وذلك يدلك على أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم كان مختاراً في ذلك، إن شاء أكل وإن شاء لم يأكل، وكان يترك الأكل اختياراً، وقد دخلت الفتنة على قوم كلما قيل لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلّم فعل كذا يقولون: كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم مشرعاً، وهذ إذا قالوه على معنى أنه لا يلزمهم التأسي به جهل محض؛ فإن الرخصة الوقوف على حد قوله، والعزيمة التأسي بفعله، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلّم لأرباب الرخص وفعله لأرباب العزائم، ثم إن المنتهي يحاكي حاله حال رسول الله عليه الصلاة والسلام في دعاء الخلق إلى الحق، فكل ما كان يعتمده رسول الله صلى الله عليه وسلّم ينبغي أن يعتمده، فكان قيام رسول الله صلى الله عليه وسلّم وصيامه الزائد لا يخلو: إما أنه كان ليقتدى به، وإما أنه كان لمزيد كان يجده بذلك، فإن كان ليقتدي به فالمنتهي أيضاً مقتد به ينبغي أن يأتي بمثل ذلك، والصحيح الحق أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم لم يفعل ذلك لمجرد الاقتداء، بل كان يجد لذلك زيادة، وهو ما ذكرناه من تهذيب الجبلة، قال الله تعالى خطاباً له:
{وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} (الحجر: الآية 99) لأنه بذلك ازداد استمداداً من الحضرة الإلهية وقرع باب الكرم، والنبي عليه الصلاة والسلام مفتقر إلى الزيادة من الله تعالى غير مستغن عن ذلك، ثم في ذلك سر غريب: وذلك أن رسول الله برابطة جنسية النفس كان يدعو الخلق إلى الحق، ولولا رابطة الجنسية ما وصلوا إليه ولا انتفعوا به، وبين نفسه الطاهرة ونفوس الأتباع رابطة التأليف كما بين روحه وأرواحهم رابطة التأليف، ورابطة التأليف: أن النفوس ألفت آنفاً، كما أن الأرواح ألفت أولاً. ولكل روح مع نفسه تأليف خاص، والسكون والتأليف والامتزاج واقع بين الأرواح والنفوس. وكان رسول الله يديم العمل لتصفية نفسه ونفوس الأتباع، فما احتاج إليه نفسه من ذلك ناله، وما فضل من ذلك وصل إلى نفوس الأمة، وهكذا المنتهي مع الأصحاب والأتباع على هذا المعنى، فلا يتخلف عن الزيادات والنوافل، ولا يسترسل في الشهوات واللذات إلا بدلالة تخص النفس، ولا يعطي الاعتدال حقه من ذلك إلا بتأييد الله تعالى ونور الحكمة، وكل من يحتاج إلى صحة الجلوة للغير لا بد له من خلوة صحيحة بالحق، حتى تكون جلوته في حماية خلوته.