وهذه العبودية الكونيَّة اللازمة للإنسان كلِّه، والمتساوية في الإنسان كله؛ مَن عرَفَها حقَّ المعرفة، وتأمَّلَها حقَّ التأمُّل، وقدَّرَها حقَّ التقدير، وشكَرَها بعبوديَّة الإلَهيَّة، وإخلاص الحُبِّ والذُّل، والطاعة والرجاء والخوف، والتوكُّل والدُّعاء، وما يلزم كلَّ ذلك من المسارعة إلى اتِّباع كلِّ ما بعث الله به رسُلَه، وأنزل كتُبَه لتحقيق تلك العبادة التي عليها تَدُور سعادةُ الدُّنيا والآخرة، وعِزُّهُما وفلاحهما.
و"اليقين"ضد الشَّك، وهو حال يثمرها العلم الصَّحيح من التفكُّر في آيات الله الكونية - الذي هو التسبيح بِحَمد الله - ومن التدبُّر لآيات الله القرآنية، فهو شاطئُ السَّلامة، والغاية الحميدة التي يسعى إليها المؤمنون الصادقون، ويعبِّرون عن هذا اليقين بأنَّه استقرارُ العلم الذي لا ينقلب ولا يتحوَّل ولا يتغيَّر، وقد فسَّره جُمهور المفسِّرين هنا بأنه الموت؛ وهذا لأنَّه آخِرُ يقين هذه الدنيا، وأوِّلُ يقين الآخرة، وإن كان الواقع أنِّ المؤمن لا بدَّ أن يعتمد في عقيدته على يقين، وفي صحَّة عمله على يقين، ولولا هذا اليقين ما استقرَّ له حال، وإنَّما اضْطَرب حالُ النَّاس في عقائدهم وأعمالِهم؛ لأنَّهم ليسوا على يقينٍ منها؛ إذْ لم يسلكوا إليها سبيل العلم الصحيح من التفكُّر في سنن الله وآياته الكونية، وتدبُّر وفِقْه آياته القرآنيَّة، ومعرفة هَدْي وسنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وإنما عقائدهم المزعومة وأعمالهم تقاليدُ وراثيَّة تقوم على ظنون وتخرُّصات لا تُغْنِي من الحقِّ شيئًا.