فلا تغترَّ بما يُهَوِّلون به، ولا تَعْبأ بما يُبْرِقون ويُرْعِدون به، واضرب بِحَقِّك باطِلَهم، بكلِّ شجاعة وقوة، وحطِّم بإيمانك بربِّك الحقِّ، وبدعوتك الحقَّة إلى إعزاز الإنسانيَّة؛ بإخلاصِ ذُلِّها وعبادَتِها لربِّها الكبير المتعال - اضرب طواغيتَهم التي صنعوها بأيديهم من الأخشاب والأحجار والنُّحاس، وأعلن بصوتك الجَهْورِيِّ بكلِّ صراحة ووضوح ما في دينهم من السَّخَف والجهالات، وما في عقائدهم من الشِّرك والوثنيَّات، وما لآلهتهم التي أقاموا لها تلك الأنصاب والقباب، وزعموا أنَّها تغيث المَلهوف، وتَشْفي المريض، وتقضي الحاجات، وتُحْبِل العقيم، وتزوِّج العانس ...
أعْلِن بكلِّ صراحة: أنَّها عاجزة كلَّ العجز؛ فإنَّها لم تكن في دنياها تَمْلك لنفسها نفعًا ولا ضرًّا، ولا موتَّا ولا حياة ولا نشورَّا، فكيف بعد موتِها وقد ضمَّتْها الأرضُ وأعادها الحيُّ القيوم إليها، وتعطَّلَت منها الأعضاء، وسكنَتْ منها الحركات، وبطلت منها البشريَّة، وعادت رميمًا؟ وكيف وقد مات هذا الإله فلانٌ قتلاً بيد أعدائه، ولم يستطع يوم كان حيًّا أن يَدْفَع عن نفسه بطْشَ أعدائه به، فكيف يستطيع أولئك الموتى أن يملكوا للأحياء نفعًا أو ضرًّا؟ وكيف تتصوَّرون - إن كانت عندكم بقيَّةُ عقل - أنَّ من غسَّلتُموه وكفَّنْتُموه، وحفَرْتُم له في بطن الأرض، وأهَلْتُم عليه التراب، وأقمتم بينكم وبين جثَّتِه سدًّا منيعًا من مُحْكَم الطين والجبس والأسمنت، كيف تتصوَّرون أنه يسمع دعاءكم، ويستجيب لكم، ويسعى في رغباتكم، على ما تجعلون له من الدَّراهم، تشترطونها له عند قضائه حاجاتكم؟! إنَّ هذا لأَمْر تستنكره أبسطُ العقول، ويَبْرأ منه من لا يزال يعرف نفسه إنسانًا أكرمه بالإنسانيَّة ربُّه الله الحيُّ القيوم، الذي لا تأخذه سنة ولا نوم.