وفي كتاب الله قولُ يوسف عن العزيز:"إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ" [يوسف: 23] ،"اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ" [يوسف: 42] "ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ الاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ" [يوسف: 50] فلم يَجِئْ في لغة العرب، ولا في القرآن، ولا في الحديث كلمة"رب"بِمَعنى معبود أبدًا، وإذا جاءت في القرآن مقصودًا بها الله سبحانه، فإنَّما يُراد بِها: المالك، السيِّد، العزيز، المُرَبِّي للعالَمين بنِعَمِه وآلائه، وسُنَنه وآياتِه، وكتبه ورسُلِه، ووَعْدِه ووعيده، فهو سبحانه يربِّيهم وحده، وهو الحقيق أن يُؤَلِّهوه وحده، وألاَّ يجعلوا في قلوبِهم له شريكًا في الإلَهيَّة والعبادة بجميع أنواعها، فإنَّ كلَّ مَن اتَّخَذوهم آلِهَة مربوبون له وحده، وهو الذي يربِّيهم ويربِّي عابديهم ومَواليَهم بنعمه وآياته.
فالرُّبوبية: صفتُه سبحانه التي يربِّي بها خلْقَه، والإلهيَّة: حقُّه الذي يستحقُّه وحده على مربوبيه؛ شكرًا له على ما يربِّيهم به من النِّعَم الدَّائمة، فآثار الرُّبوبية: نِعَم مُتَتالية على العباد من ربِّهم، وآثار الإلهيَّة: عباداتٌ قلبيَّة وبدَنيَّة ومالية، تصعد من المؤمنين إلى ربِّهم وحده، وتَنْزِل بالمشركين إلى حضيض المهانة والصَّغار، والشَّقاء في الدُّنيا والآخرة؛ ولذلك أمكن الشِّركُ وكثُر جدًّا في الإلهيَّة، ووقع بكيد الشيطان وحزْبِه، حتَّى أصبح الناسُ:"وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ" [يوسف: 106] .
أما الشِّرك في الرُّبوبية فما يقع إلا من المُلحدين الطبائعيِّين، الذين ينكرون أنَّ للوجود خالقًا، ويقولون: إنَّه وُجِد بطَبْعه، وهؤلاء يكفرون بالغيب كلِّه من جنٍّ وملائكة وشيطان، وجنَّة ونار، وجزاء وحساب، ومعبودُهم المادة.