قول الله - تعالى ذكره وجلَّ ثناؤه:"الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ" [الحجر: 96] .
"الْجَعْل"الأخذ في أسبابٍ ومقدِّماتٍ تنتهي إلى الشَّيء المَجْعول، فيصير على ما أراد الجاعل، فالله سبحانه:"خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ" [الأنعام: 1] ؛ أيْ: أجرى أسبابًا وسُننًا كونيَّة، فخَلَق السَّمواتِ والنُّجومَ والكواكب، والشمسَ والقمر، وخلَقَ الأرض، وأقام كلاًّ منها في موضعه بأبعاد ونِسَبٍ مضبوطة ثابتة لا تتغيَّر، وأجرى كلاًّ منها في مداره بدورة خاصَّة به على حسب بُعْدِه، وأمسك كلَّ واحدٍ منها مثبَّتًا في موضعه، يجري في فلَكِه حيث أقامه الله، فتكَوَّن من ذلك الوضْعِ وتلك الحركات والدورات الدائبة: الليلُ والنَّهار، والظُّلمات والنور؛ فالْمُشركون المستهزئون برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبما جاء به من الحقِّ والهدى، وتوحيد عبادة الله أعرضوا عن رسالة رسُلِ الله - عليهم الصَّلاة والسَّلام - شيئًا فشيئًا، وشُغِلوا عنها بتقليد الشُّيوخ والرُّؤساء، والأجداد والآباء، شيئًا فشيئًا كذلك، فعَمُوا وصمُّوا.
فقادهم الشيطان بِحَبل هذا التقليد الأعمى في ظلمات العمى والصَّمم عن آيات الله وسُنَنِه، وحكمته ورحمته، ونِعَمِه في أنفسهم وفي الآفاق، وزيَّن لهم البِدَع والخرافات شيئًا فشيئًا، حتَّى خرجوا بتلك الأنداد والآلهة من الموتى الذين روَّج الشيطانُ - في ظلمات جاهليَّتِهم وعماهُم، وصمَمِهم وتقليدهم - الغُلوَّ فيهم، والمبالغةَ في تعظيمهم، حتَّى أعماهم عن فطرة البشريَّة فيهم، وزيَّن لَهم أنَّهم ليسوا كَكُلِّ البشر في أصل الخلق، والحياة والموت، وألقى في قلوبِهم المَيِّتةِ العَفِنةِ عقيدة أنَّ أولئك الموتى والأولياء ليسوا من جِنْس البشر في كلِّ خصائص البشريَّة ومزاياها، بل هم مُرَكَّبون من عنصرَيْن نورٍ إلَهيٍّ وبشريَّة؛ ناسوت أو لاهوت، فاللاَّهوت نورٌ فاض وانبثق من ربِّهم؛ يسمُّونه الحقيقة والخَلْق الأول، والكلمة، وأمثال ذلك من البهتان.