ثم زعموا أنَّ هذه الحقيقة والخَلْق الأوَّل ما تزال تتنقل في أطوار حتَّى تتجسَّد في ناسوت النَّبِيِّ أو الولِيِّ المؤلَّهِ المعبود - بِزَعمهم - من دون الله، فيعتقدون فيمن جعلوه إلَهًا أنَّ فيه جزءًا سرِّيًّا من ربِّهم، غير معروف كنْهُه عند العامَّة - ومعروفًا عند الخاصَّة والعارفين، وبذلك الجزء الربَّاني - بزعمهم - صار وسطًا بين الخَلْق والرَّب، فلا هو بشَرٌ خالِصُ البشريَّة ككلِّ البشر، ولا هو ربٌّ خالص الرُّبوبية، وبذلك يصير واسطةً بين البشر والربِّ، في قضاء الحاجات، يَدْعونه ويفزعون إليه، ويتَّخِذونه نِدًّا لله!
ومن ثَمَّ يحلُّ في قلوبهم شريكًا للربِّ في كل الحقوق والمعاملات، ويصير له في قلوبهم العقيدة بأنَّه ذو التقديس الذاتي الذي يُكْسِبُ التقديس لكلِّ ما نُسِب إليه، أو اتَّصَل به أدنى اتِّصال، فأبناؤه مقدَّسون، وثيابه التي كان يلبسها قبل موته، وكلُّ ما كان يستعمله ويتناوله بيده من متاعٍ مقدَّسٌ كذلك، وما أقيم على قَبْرِه من نُصُب حجارة أو خشب أو نُحاس مقدَّسة كذلك، كل ذلك يفيض عليهم البَرَكات، فيتمسَّحون بِها، ويغترفون من فَيْضِها، وما يُحيط بِقَبْره من المساكن والأرض الزِّراعية كذلك مقدَّس، فكلُّ مَن يسكن بجواره، أو يُدْفَن في رحابه مضمونٌ له السَّلامة والعافية من السُّرَّاق والآفات والأعداء ما دام حيًّا، والمغفرة والجنَّة بِبَركته وسرِّه، ولا بدَّ أن تجود الزُّروع وتخصب الأرض التي حول قَبْرِه، وتُحرس من كلِّ سارق وناهب، وتحفظ من الآفات والسُّرَّاق المعتدين.
وإنْ زعمْتَنِي مُبالِغًا في ذلك أو متجنِّيًا، فاسْأَل نفسك عمَّا كنت عليه أيَّامَ الجاهلية، قبل أن يُنْقِذَك الله من أوحالها، ويَمُنَّ عليك بنعمة العلم به، ومعرفتِه سبحانه من سننه وآياته الكونيَّة والقرآنيَّة، ويرزُقَك إخلاص التَّوحيدِ والعبادةِ له، والكفر بكلِّ مأْلُوهٍ سواه، أو اقْرَأ كتب الصُّوفية مُجرَّدًا من الهوى والغَرَض، أو اذْهَب إلى أيِّ وثَنٍ من الأوثان التي ملأَتِ الأرض والبلاد التي تدَّعي الإسلام، واسأل مَن حولَها من العاكفين والرُّكَّع السُّجود لها من سادنٍ وتاجرٍ وقاطن.