إنَّما يكون ثَمرةً حتميَّة لِظُلم أنفسهم بالعَمى عن آيات الله وسننه في الأنفس والآفاق، والكفر بنِعَم الله في الإنسانيَّة وكرامتها بالعقل والتَّفكير، وبنِعَم الله التي تتوالَى منه على عباده في كلِّ لحظة وطرفة عَيْن، وبِأجَلِّ نعم الله عليه فيما أَنزل من العلم والْهُدى على من اصطفى من رسله، فأعرض المشركون عن ذلك كلِّه، وكذَّبوا بآيات ربِّهم، وحقَّروا نِعَمَه عليهم:"وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ" [إبراهيم: 34] .
ظلَمَ نفسه بالجهالة والتقليد الأعمى الذي قتل عقله، وأمات إنسانيَّته، فكفر بنعمة الله فيه وعليه؛ من سَمْع وبصر، وصحَّة وعافية، وليلٍ ونَهار، وأرزاقٍ وتسخيرِ كلِّ شيء، وعلمٍ يَنْزل به الوحي من عنده على مَن يصطفي من عباده، وذهب بِهذا العمى والكفر يَجْري بكلِّ قوَّتِه في سبُلِ الضَّلال والغيِّ والفسوق عن أوامر الله، حتَّى أوحى إليه الشَّيطان وزَيَّن له أن يَضْرب الأمثال لله بِمَن خلَقَ مِن الملوك والرُّؤساء، فاتَّخَذ له ما يتَّخِذه لهم من الوُسَطاء، ثم ذهب يشتدُّ في غيِّه، حتى تَمكَّن الشيطان من قلبه، فأوحى إليه أنَّ أولئك الوُسَطاء ما بلغوا إلى تلك المَنْزلة إلاَّ لأنَّهم يتَّصِفون بصفات الربِّ، فأعطاهم كلَّ ما ينبغي لله وحْدَه من التقديس والذُّل والْحُبِّ، والعبادة والطاعة، وجعلهم آلِهَة من دون ربِّه، الذي يربِّيه ويربِّي هؤلاء وغيْرَهم من جميع العالَمين بنِعَمِه وفضله وإحسانه.