فبالتأمُّل فيما ذكر صاحبُ"اللِّسان"والرَّاغب؛ تعلم أنَّ مرجع"الشِّرك"إلى"الخَلْط والضَّم والتسوية"كما ذكرْتُ لك، فإذا كان بمعنى الحصَّة والنصيب؛ من الشيءِ يكون لواحد، وباقيه لآخَر أو لآخرين، كما في قوله تعالى:"أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ في السَّمَوَاتِ" [فاطر: 40] ، وقولِهِ:"وَمَا لَهُمْ فيهمَا مِنْ شِرْكٍ" [سبأ: 22] ، فالشَّريك مُخالط لشريكه، قد انضمَّ إليه في الملك والمنفعة وتدبير أمر ما شاركه فيه، وإذا كان بمعنى حبالة الصَّائد، فإنَّ الصيد إنَّما يُمْسِكه الشرك باختلاط حبالاته، وارتباكه فيها، فلا يستطيع أن يتخلَّص، وقد ضمَّ الشرك الصَّيد إلى ملك الصائد ناصب الحبالة.
وإذا كان بمعنى جوادِّ الطريق وما أثَّرَت فيه الدَّوابُّ بحوافرها وأظلافها وخفافها، والناسُ بأقدامهم، فإنَّ ذلك إنَّما كان باختلاط آثارها، وبانضمام مرَّات السَّيْر بتكراره، حتَّى ترك تلك الآثار، وإذا كان بِمَعنى سَيْر النَّعل؛ فلأنَّه يضمُّ النعل إلى القدَم، ويُمسكها كأنَّها قد اختلطت بها وأصبحا شيئًا واحدًا، والشرك في المعاني: تسوية بين الشريكين في الألوان والصفات والأحوال والحقوق.
ثم إطلاق الشركة في الشيء لا يقتضي مساواةَ كلٍّ من الشريكين للآخَر في الأنصبة والحصص، ولا في الصِّفات والحقوق، فهذا موسى - عليه السَّلام - سأل ربَّه أن يشرك أخاه هارونَ معه في الرِّسالة، وقد أجابه الله إلى ذلك، فقال:"قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى" [طه: 36] ، ولكن ما قصَّ الله في القرآن عنهما يدلُّ على أنَّ نصيب هارون كان دون حظِّ موسى منها.