وفي الحديث: (( الطِّيَرة شِرْك، ولكن الله يذهبه بالتوكُّل ) )، جعل التطيُّر شركًا في اعتقاد جلْبِ النَّفع ودَفْع الضرِّ، وفي حديث تلبية الجاهليَّة:"لبَّيك لا شريك لك، إلاَّ شريكٌ هو لك، تَمْلكه وما ملَك"، يعنون بالشَّريك: آلِهَتهم من أوليائهم وما أقاموه لها من الأنصاب والأوثان، يريدون: أنَّ آلِهَتهم وما تملكه ويختصُّ بها من الآلات التي تكون عندها وحولها، ومن النُّذور التي كانوا يتقرَّبون بها إليها - كلها ملْكٌ لله، فذلك معنى قولهم:"تَمْلكه وما ملَك".
قال محمد بن مكرم:"اللهم إنَّا نسألك صحَّة التوحيد، والإخلاصَ في الإيمان، انظر إلى هؤلاء، لَم ينفعهم طوافُهم ولا تلبيتهم، ولا قولُهم عن الصَّنم:"هو لك"، ولا قولهم:"تَمْلكه وما ملك"، مع تسميتهم الصَّنم شريكًا، بل حَبِط عمَلُهم بهذه التسمية، ولم يصحَّ لهم التوحيد مع الاستثناء، ولا نفعتهم معذرتُهم بقولهم:"مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى" [الزمر: 3] ، وقوله تعالى على لسان موسى:"وَأَشْرِكْهُ في أَمْرِي" [طه: 32] ؛ أيِ: اجعل هارونَ أخي شريكي في الرِّسالة."
والشَّرَك: حِبالة الصائد، يرتبك فيها الصَّيد، واحدته: شَرَكة، وشَرَك الطريق: جَوادُّه وقيل: هي التي حَفرَتِ الدَّواب فيها بأرجلها شَرَكة ههنا، وأخرى بِجَانبها، سُمِّيَت"شَرَكة"؛ لاشتراك الدوابِّ في التأثير فيها واختلاط آثارها، والشِّراك: سَيْر النعل.
وقال الرَّاغب: الشِّركة والمشاركة: خلط المِلْكين، وقيل: هو أن يوجد شيء لاثنين فصاعدًا؛ عينًا كان ذلك الشيء أو معنًى، كمُشاركة الإنسان للفرس في الحيوانيَّة، ومشاركة فرَسٍ لِفَرس في لَوْنَي الكُمْتَةِ والدُّهْمَة، قال موسى:"وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي" [طه: 32] ؛ اهـ.
وعبارة الرَّاغب الثانية - في معنى الشِّرك - أعَمُّ من الأولى؛ لأنَّ كون الشيء مشتركًا بين اثنين فأكثر: يشمل ما كان مملوكًا لهما، كالمال، أو وصفًا لهما، كالبياض والسواد، أو جزءًا ذاتيًّا كالحيوانية.