قول الله - تعالى ذكره وجلَّ ثناؤه:"فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ" [الحجر: 94] .
"الصَّدْع"التشقُّق في الشيء الصلب، كالزُّجاج والحائط والحديد وغيرها، من أثر صَكَّةٍ عنيفة بصلب مثله أو أقوى منه، يُقال: صَدَع الشيء وصَدَّعه يصْدَعه ويُصَدِّعه صَدْعا وتَصْديعا، فانصدع وتصدَّع: شقَّه بنصفَيْن، وقيل: شقَّه ولم يَنْفصل كلُّ شِقٍّ عن الآخر، والصَّدْع: نبات الأرض؛ لأنَّه يَصْدعُها؛ يشُقُّها، فتنصدع به، وفي التَّنْزيل:"وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ" [الطارق: 12] ، قال ثعلب: تَنْصدع بالنَّبات، وانصدع الصُّبْح: انشقَّ عنه اللَّيل، ويسمَّى الصُّبح صديعًا وفَلَقًا وفجْرًا، قال أبو إسحاق الزجَّاج:"فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ" [الحجر: 94] ؛ أظْهِر ما تُؤْمَر به ولا تَخَفْ أحدًا، أُخِذ من الصديع، وهو الصُّبح، وقال الفرَّاء: أراد - عزَّ وجلَّ: اصْدَع بالأمر الذي يُظْهِر دينك؛ أقام"ما"مقام المَصْدر، وقال ابن عرفة: أيْ: فَرِّق بين الحق والباطل، من قوله - عزَّ وجلَّ:"يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ" [الروم: 43] ؛ أيْ: يتفرَّقون، وقال ابنُ الأعرابِيِّ: أيْ: شُقَّ جماعتهم بالتوحيد، وقال غيره: فرِّق القولَ فيهم؛ مُجتمعين وفُرادى.
وقوله تعالى:"بِمَا تُؤْمَرُ"قال ابن جرير - رحمه الله: لَم يَقُل:"بِما تؤمر به"، والأمر يقتضي الباء؛ لأنَّ معنى الكلام: فاصْدَع بأمرنا، فقد أمَرْناك أن تدعو إلى ما بعثْنَاك به من الدِّين خَلْقي، وأذِنَّا لك في إظهاره، ومعنى"ما"في قوله"بِما تُؤمر"معنى المصدر، كما قال - تعالى ذِكْرُه:"يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ" [الصافات: 102] ، معناه: افْعَل الأمر الذي تُؤْمَر به، وكان بعضُ نَحْويِّي أهل الكوفة يقول في ذلك: حُذِفَت الباء التي يُوصل بِها"ما تؤمر"؛ على لُغَة الَّذين يقولون: أمرْتُك أمرًا، وكان يقول: للعرب في ذلك لُغَتان؛ إحداهما: أمَرْتُك أمرًا، والأخرى: أمرتُك بأمر، فكان يقول: إدخالُ الباء في ذلك وإسقاطها سواء، واستشهد لِقَوله ذلك بقول حُصَين بن المنذر الرَّقاشي ليزيد بن المهلب: