ولقد كان - ويكون - من دقيق كَيْد الشَّيطان لِحِزْبه المكذِّبين بآيات الله الكونيَّة في أنفسهم وفي الآفاق، الذين ظلموا أنفسهم بتعطيل عقولِهم وحواسِّهم عن التأمُّل في آيات الله والتفكُّر فيها: أنْ زَيَّنَ لَهم الشيطانُ: أنَّ كتُبَ الله - المُنَزَّلة من عنده لِهِداية الإنسانيَّة كلِّها إلى سبيل الحكمة والسداد والرَّشاد - تدعو إلى التفرُّق والاختلاف، فيكون أتباعُها بِها شِيَعًا ومذاهِبَ مُختلفة وأحزابًا، كلُّ حزْبٍ بِما لديهم فرحون، وجرى بِهم الشَّيطان في هذه السُّبُل المختلفة إلى غايتها من التفرُّق والعداء والخصومة، والحروب والْمَهالك، والمخاوف والشَّقاء، والضَّنك والعذاب في الدُّنيا والآخرة، وأعماهم أشدَّ العمى عن أنَّ الله سبحانه هو الرؤوف الرحيم بعباده، اللطيف الخبير، وأنه ما يرسل رسله ولا يُنَزِّل كتبه إلاَّ لِهِدايتهم وإرجاعهم إلى الفطرة السليمة التي تعود بها نُفوسُهم طاهرة من خبائثِ رواسب الغرائز البهيميَّة، وتزكية أرواحهم الإنسانيَّة بتغذيتها بالعِلْم والهدى لتؤمن بأنَّ الخَلْق والأمر كلَّه لله، وأنَّه هو الرزَّاق ذو القُوَّة المتين، وهو مقلِّب القلوب والأبصار، ومقلِّب الليل والنهار، وهو الباعث الوارث، وهو الذي بيده الخير كلُّه، وهو على كلِّ شيء قدير، فإنَّهم حين تتطهَّر نفوسُهم، وتزكو أرواحهم كذلك يكونون جميعًا إخوانًا على سُرر المَحبَّة وصفاء الإخاء متقابلين، قد نُزِع من صدورهم الغِلُّ والحقد والحسد، وعادوا كالجسم الواحد، إذا تألَّم منه عضوٌ تداعى له بقيَّة الأعضاء بالحُمَّى والسهر.