وهكذا نعلم أن القرآن إذا أثبت حدثاً مرة ونفَاهُ مرة أخرى ، فاعلم أن الجهة مُنفكّة ، أي: أن جهة النفي غَيْر جهة الإثبات ، وكُلٌّ منهما لها معنًى مختلف .
وقوله هنا:
{فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: 92] .
يعني أن الضَّال والمُضِلْ ، والتابع والمتبوع سَيُسألون عَمَّا عملوا . ثم يقول الحق سبحانه: {عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} .
والعمل كما نعلم هو اتجاه جارحة إلى مُتعلّقها ؛ فجارحةُ العين مُتعلِّقها أنْ ترى ؛ وجارحةُ اللسان مُتعلِّقها أن تتكلم ، وجارحةُ اليد إما أنْ تُربّت ، وإما أنَ تبطشَ .
وهكذا فكُلُّ ما تصنعه ملكَاتُ الإدراك في النفس البشرية نُسمِّيه عملاً . وسبق أن علمنا أن العمل ينقسم إلى قول وفعل .
ويقول الحق سبحانه: {وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 74] .
أي: تذكَّروا أن الله سبحانه وتعالى لا يغيب عنه شيء ، وأن كل ما تعملونه يعلمه ، وأنكم ملاقونه يوم القيامة ومحتاجون إلى رحمته ومغفرته .
ويقول سبحانه من بعد ذلك: {فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ ...} .
أي: افرغ لِمُهمتك ؛ فالصّدع تصنع شقاً في متماسك ، كما نشق زجاجاً بالمشرط الخاص بذلك ، أو ونحن نصنع شقاً في حائط . والرسول صلى الله عليه وسلم قد جاء لِيشقَّ الكفر ويهدم الفساد القوي المتماسك الذي يَقْوي بقوة صناديد قريش .
وقد شاع ذلك المصطلح"الصدع"في الزجاج ؛ لأن أيَّ شقٍّ في أيِّ شيء من الممكن أنْ يلتئمَ إلا في الزجاج ؛ لأنه يصعب أن يجمع الإنسان الفتافيت والقطع الصغيرة التي تنتج من صدعه ، وقد جاء الإيمان ليصدع بنيان الكفر والفساد المتماسك .
وقول الحق سبحانه:
{وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين} [الحجر: 94] .