وقد شهد له تعالى بأنه امتثل ذلك الأمر فبلغ على أكمل وجه في مواضع آخر. كقوله: {اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] ، وقوله: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ} [الذاريات: 54] إلى غير ذلك من الآيات.
تنبيه
قوله: {فاصدع} قال بعض العلماء: أصله من الصدع بمعنى الإظهار ، ومنه قولهم: انصدع الصبح: انشق عنه الليل. والصديع: الفجر لانصداعه ، ومنه قول عمروبن معد يكرب:
ترى السرحان مفترشاً يديه... كأن بياض لبته صديع
أي فجر والمعنى على هذا القول: أظهر ما تؤمر به وبلغه علناً على رؤوس الأشهاد وتقول العرب: صدعت الشيء: أظهرته. ومنه قول أبي ذؤيب:
وكأنهن ربابة وكأنه... يسر يفيض على القداح ويصدع
قاله صاحب اللسان.
وقال بعض العلماء: اصله من الصدع بمعنى التفريق والشق في الشيء الصلب كالزجاج والحائط. ومنه بمعنى التفريق: قوله تعالى: {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ الله يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} [الروم: 43] أي يتفرقون: فريق في الجنة وفريق في السعير. بدليل قوله تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ} [الروم: 14] ومنه قول غيلان ذي الرمة:
عشية قلبي في المقيم صديعه... وراح جناب الظاعنين صديع
يعني ان قلبه افترق إلى جزءين: جزء في المقيم وجزء في الطاعنين.
وعلى هذا القول - {فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ} أي فرق بين الحق والباطل بما أمرك الله بتبليغه. وقوله: {بِمَا تُؤْمَرُ} يحتمل أن تكون"مات"موصوله. ويحتمل أن تكون مصدرية ، بناء على جواز سبك المصدر من أن والفعل المبني للمفعول ، ومنع ذلك جماعة من علماء العربية. قال أبو حيان في (البحر) : والصحيح أن ذلك لا يجوز.
قوله تعالى: {وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين} .
في هذه الآية الكريمة قولان معروفان للعلماء: