مع أنَّهم يَشْكون من فساد أمر دنياهم؛ لأنَّ حُكَّامهم قد غلبت الأهواء على عقولِهم، فلا ينال أحدٌ حقًّا إلاَّ بواسطة امرأة الرئيس أو خادِمه؛ أو كاتبِه أو نسيبه أو صديقه، فيَكْرهون مِن حُكَّامهم ما لا يرضون به بديلاً لربِّهم، بل يرمون مَن ينهاهم عن ذلك ويدعوهم إلى معرفة الربِّ بأسمائه وصفاته بالكُفْر الشَّنيع، وهم يصفون ربَّهم بأَبْطل الباطل، وأظلم الظُّلم، بل وبالسَّفَه والعبث مِمَّا لا يرضونه لِحُكَّامهم ورؤسائهم، فهم يصيحون في كلِّ مجلس وكل زمان: بأنَّ الظلم والبغي عمَّ البلاد، وأهلك العباد؛ لأن الحاكم والرئيس لا يُكافِئُ العامل بِمقدار عِلْمه ونشاطه في عمَله، أو جهله وكسَلِه، ولا بِجدِّه أو توانيه وتَهاوُنه؛ وإنَّما يعطيه الرَّواتبَ والعلاوات والدرجات؛ لأنَّه ابن صديقه فلان، أو ابن الكبير أو الرَّئيس فلان، أو لأنَّه محسوب على فلانة أو فلان، والعامل الآخَر جادٌّ نشيط، مُخْلِص في عمله، مواظِبٌ عليه في أوقاته، ولكنَّه مهضوم، لا يزال من عشرين سنة في الدَّرجة السادسة؛ لأنَّه ليس محسوبًا على فلانة ولا فلان، ولا ابْنًا لكبيرٍ، ولا قريبًا لوزير، ولا من حِزْب فلان.
أما الرَّبُّ - سبحانه وتعالى عمَّا يقولون - فإنَّما جزاؤه في الدُّنيا والآخرة بالمحسوبيَّة والقرابة، ولأَجْل خاطرِ فلانة وفلانٍ، وبِرَجاء فلانٍ وشفاعة فلان، ومَن لم يكن مَحْسوبًا ولا قريبًا ولا نسيبًا لأحد، فالويل له من العذاب الأليم، والخسران المبين!
ذلك ما تغلغل في صميمِ قلوب الجماهير من عامَّةٍ وخاصَّة، مِمَّن يدَّعي أنه من خلاصة المسلمين وصالحيهم المتَّقين، وآياتُ ربِّنا وسننه الكونيَّة بِحَقائقها الثابتة، فآية اللَّيل والنهار، والسَّماء والأرض، والطعام والثياب، والحَرْث والنَّسل، والحياة والموت، وآيات كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يدَيْه ولا من خلفه - تُتلَى كلُّ تلك الآيات الكونية والقرآنية عليهم بِحَقائقها فيهم وفي الآفاق، فيأبَوْن كلَّ الإباء أن يُسَلِّموا لها، أو يصغوا بأسماعهم إليها؛ لأنَّها على غير ما تَهْوَى نفوسُهم الجاهليَّة، وعلى غير ما يريد ويحبُّ تقليدهم الأعمى للآباء والشُّيوخ.